الجمعة، 2 يناير 2026

وصايا أمير المؤمنين عند مفارقة الدنيا

ما جمع من جوامع كلم أمير المؤمنين صلى الله عليه وعلى ذريته 

عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: شيع أمير المؤمنين عليه السلام جنازة فلما وضعت في لحدها عج أهلها [1] وبكوا فقال: ما تبكون؟ أما والله لو عاينوا ما عاين ميتهم لأذهلهم ذلك عن البكاء عليه أما والله إن له إليهم لعودة، ثم عودة، حتى لا يبقي منهم أحدا، ثم قام فيهم فقال: 
أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي ضرب لكم الأمثال، ووقت لكم الآجال، وجعل لكم أسماعا تعي ما عناها [وأبصارا لتجلوا عن غشاها] وأفئدة تفهم ما دهاها [في تركيب صورها وما أعمرها] فإن الله لم يخلقكم عبثا، ولم يضرب عنكم الذكر صفحا، بل أكرمكم بالنعم السوابغ [وأرفدكم بأوفر الروافغ، وأحاط بكم الاحصاء، وأرصد لكم الجزاء في السراء والضراء].
 فاتقوا الله عباد الله، وجدوا في الطلب، وبادروا بالعمل قبل [مقطع النهمات [2] و] هاذم اللذات [3] ومفرق الجماعات، فإن الدنيا لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجائعها، غرور حائل [وشبح فائل [4]]، وسناد مائل، ونعيم زائل.وجيد عاطل.
 فاتعظوا عباد الله بالعبر [واعتبروا بالآيات والأثر] وازدجروا بالنذر [وانتفعوا بالمواعظ] فكأن قد علقتكم مخالب المنية [وأحاطت بكم البلية وضمكم بيت التراب] ودهمتكم مفظعات الأمور بنفخة الصور، وبعثرة القبور وسياقة المحشر، وموقف الحساب في المنشر، وبرز الخلائق حفاة عراة، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد، ونوقش الناس على القليل والكثير، والفتيل والنقير [5] وأشرقت الأرض بنور ربها، ووضع الكتاب وجئ بالنبيين والشهداء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون " فارتجت [6] لذلك اليوم البلاد، وخشع العباد وناد المناد من مكان قريب، وحشرت الوحوش، وزوجت النفوس [مكان مواطن الحشر، وبدت الاسرار، وهلكت الأشرار، وارتجت الأفئدة، فنزلت بأهل النار من الله سطوة مجيحة، وعقوبة منيحة [7]] وبرزت الجحيم، لها كلب ولجب، وقصيف رعد [8] وتغيظ ووعيد، قد تأجج جحيمها [9] وغلا حميمها. 
فاتقوا الله عباد الله تقية [من كنع فخنع] [10] وجل و [رحل] وحذر فأبصر وازدجر، فاحتث طلبا [11] ونجا هربا، وقدم للمعاد، واستظهر من الزاد وكفى بالله منتقما، وبالكتاب خصيما [وحجيجا]، وبالجنة ثوابا [ونعيما] وبالنار وبالا وعقابا، وأستغفر الله لي ولكم.بحار الأنوار :ج 75 ص65-  66 .

[1] عج يعج عجا: صاح ورفع صوته. 
[2] النهمة: بلوغ الهمة والشهوة في الشئ، يقال " له في هذا الامر نهمة " أي شهوة و " قضى منه نهمته " أي شهوته. 
[3] الهاذم بالذال المعجمة بمعنى الهادي ويستعمل مع الموت. 
[4] الشبح: الشخص. وما ينظر بالعين من إبل وغنم وبناء. والفائل - فاعل عن فال يفيل رأيه: أخطأ وضعف.

[5] النقير. النكتة في ظهر النواة. وهو كناية عن القليل. 
[6] ارتج البحر: اضطراب. 
[7] المجيحة: المهلكة والمستأصلة - والمنيحة أي الشديدة المحرقة. 
[8] الكلب: الشدة، واللجب: صوت الهياج واضطراب الأمواج. وقصيف الرعد: شدة صوته. 
[9] التأجج: التلهب والاضطرام.
[10] كنع أي جبن وهرب. وخنع أي خضع وذل. وجل أي خرج من بلده. 
[11] احتث على الامر واحتثه: حضه ونشطه على فعله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من درر المجتبى: قبسات من مدرسة السبط الأول

مواعظ الامام الحسن بن علي عليهما‌السلام عن الحسن بن علي عليهما‌السلام  قال : لا أدب لمن لا عقل له ، ولا مروة لمن لا همة له ، ولا حياء لمن لا...