الأحد، 16 أغسطس 2026

خطبة الإمام علي في مدح رسول الله والأئمة عليهم ‌السلام

خُطْبَة : فِي مَدْحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى ‌الله‌عليه ‌وآله وَالْأَئِمَّة عليهم‌السلام .

عَنِ الْحَسَنِ بْنُ عَلِيٍّ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنُ عَلِيٍّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنُ عَلِيٍّ عليهم‌السلام قَالَ الْحُسَيْنُ عليه ‌السلام خَطَب أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خُطْبَة بَلِيغَة فِي مَدْحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى‌الله‌عليه‌ وآله فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهَ وَالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ : لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُنْشِئَ الْمَخْلُوقَات [ ويبدع الْمَوْجُودَات ] أَقَام الْخَلَائِقِ فِي صُورَةِ وَاحِدَةً قَبْلَ دحو الْأَرْضِ وَرَفَعَ السَّمَاوَات ، ثُمَّ أَفَاضَ نُورًا مِنْ نُورٍ عَزّة فلمع قَبَسًا مِنْ ضيائه وَسَطَع ، ثُمَّ اجْتَمَعَ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ ، فِيهَا صُورَةٌ رَسُولُ اللَّهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله (1) فَقَالَ لَهُ تَعَالَى : أَنْت الْمُرْتَضَى الْمُخْتَار ، وَفِيك مُسْتَوْدَع الْأَنْوَار ، مِنْ أَجَلِك أَضَع الْبَطْحَاء وَارْفَع السَّمَاء ، وَأَجْرَى الْمَاءَ ، وَاجْعَل الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَنْصِب أَهْلِ بَيْتِك عِلْمًا لِلْهِدَايَة ، وأوداع فِيهِم أسراري بِحَيْثُ لَا يَغِيبُ عَنْهُمْ دَقِيق وَلَا جَلِيلٍ ، وَلَا يَخْفَى عَنْهُم خَفِي ، اجعلم حُجَّتِي عَلَى خَلِيقَتِي ، وَاسْكُن قُلُوبِهِم أَنْوَار عزتي ، و أَطْلَعَهُم عَلَى مَعَادِن جَوَاهِر خزائني .

ثُمَّ أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ الشَّهَادَة بِالرُّبُوبِيَّة وَالْإِقْرَار بِالْوَحْدَانِيَّة ، وَأَنّ الْإِمَامَةَ فِيهِم ، وَالنُّور مَعَهُم ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَخْفَى الْخَلِيقَة فِي غَيْبَةِ ؟ ، وَغَيّبَهَا فِي مَكْنُون عِلْمِه ، وَنَصَب الْعَوَالِم ، وموج الْمَاء ، وَآثَارٌ الزُّبْد ، وأهاج الدُّخَان فَطَفَا عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ، ثُمَّ أَنْشَأَ الْمَلَائِكَةِ مِنْ أَنْوَار أَبْدَعَهَا وَأَنْوَاع اِخْتَرَعَهَا ، ثُمَّ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ فَأَكْمَلَهَا ، ثُمَّ قَرَنَ بتوحيده نُبُوَّة نَبِيِّه ، فَشَهِدَتْ لَهُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْض وَالْمَلَائِكَة وَالْعَرْش وَالْكُرْسِيّ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومَ [ وَمَا فِي الْأَرْضِ ] بِالنُّبُوَّة وَالْفَضِيلَة ، ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ وَأَبَان لِلْمَلَائِكَة فَضْلِه وَأَرَاهُم مَا خَصَّهُ بِهِ مِنْ سَابِقِ الْعِلْم فَجَعَلَه مِحْرَابًا وَقَبْلَه لَهُم فَسَجَدُوا لَهُ وَعَرَفُوا حَقِّه .

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيْنَ لِآدَم عليه‌السلام حَقِيقَةَ ذَلِكَ النُّورِ ومكنون ذَلِك السِّرّ فَأَوْدَعَه شَيْئًا وأوصاء وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ السِّرُّ فِي الْمَخْلُوقَاتِ ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَنْتَقِلُ مِنْ الْأَصْلَاب الطَّاهِرَة إلَى الْأَرْحَام الزَّكِيَّة إلَى أَنْ وَصَلَ إلَى عَبْدالمُطَّلِب فَأَلْقَاه إلَى عَبْداللَّه ثُمّ صَانَه اللَّهِ عَنْ الْخَثْعَمِيّة حَتَّى وَصَلَ إلَى آمِنَةَ ، فَلَمَّا أظْهَرَهُ اللَّهُ بِوَاسِطَة نَبِيِّنَا صلى‌الله‌عليه‌ وآله اسْتَدْعَى الْفُهُوم إلَى الْقِيَامِ بِحُقُوقِ ذَلِك السِّرّ اللَّطِيف ، وَنُدِب الْعُقُولِ إلَى الْإِجَابَةِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُودَعُ فِي الذار قَبْل النَّسْل ، فَمَن وَاقِفَة قَبَس مِن لَمْحَات ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى إلَى السّرّ وَانْتَهَى إلَى الْعَهْدِ الْمُودَعُ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ وَغَامِض الْعِلْم ، وَمَن غَمَرَتْه الْغَفْلَة وَشَغَلْته الْمِحْنَة عَشَّى بَصَر قَلْبَهُ عَنْ إدْرَاكِهِ فلايزال ذَلِكَ النُّورِ يَنْتَقِل فِينَا أَهْلَ الْبَيْت ويتشعشع فِي غرايزنا إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ فَنَحْن أَنْوَار الْأَرْض والسماوات وَمَحْضٌ خَالِصٌ الْمَوْجُودَات ، وَسُفُن النَّجَاة ، وَفِينَا مَكْنُون الْعِلْم ، وَإِلَيْنَا مَصِير الْأُمُور ، وبمهدينا تَنْقَطِع الْحُجَج ، فَهُو خَاتَم الْأَئِمَّة ، ومنقذ الْأُمَّة ، وَمُنْتَهَى النُّور وَغَامِض السِّرّ ، فليهنأ مَنِ اسْتَمْسَكَ بعروتنا ، وَحَشْر عَلَى محبتنا . بحار الانوار : ج 74 ص 298 - 300.

(1) فِي الْمَصْدَرِ « وَفِيهَا هَيْئَة نَبِيِّنَا صلى‌الله‌عليه ‌وآله » .

في اثبات امامة الائمة الاثنا عشرعليهم السلام


[خبر اللوح الذي كان عند جابر]

وفي حديث [جابر بن عبد الله] عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: انّ لي إليك حاجة فمتى يخفّ عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ فقال له جابر: في أيّ الأوقات أحببت.

فخلا به أبي في بعض الأوقات، فقال له: يا جابر [بحقّي عليك] أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد اُمّي فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله، وما أخبرك به أبي ما كان في اللوح مكتوباً، فقال جابر: أشهد بالله انّي دخلت على اُمّك فاطمة في حياة رسول الله صلّى الله عليه وآله اُهنّئها بولادة الحسين، ورأيت في يدها لوحاً أخضر ظننت انّه زمردة خضراء، ورأيت فيه كتاباً أبيض شبه نور الشمس، فقلت لها: بأبي أنت واُمّي يا بنت رسول الله ما هذا اللوح؟

فقالت: هذا اللوح أهداه الله إلى رسوله صلّى الله عليه وآله، فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي، فأعطانيه أبي ليسرّني بذلك.

قال جابر: فأعطتنيه اُمّك فاطمة فقرأته واستنسخته، فقال: هل لك يا جابر أن تعرضه عليّ؟ قال: نعم، فمشى معه أبي حتّى انتهى إلى منزل جابر، فأخرج إلى أبي صحيفة من رق، [فقال: يا جابر اُنظر في كتابك لأقرأ عليك، فنظر جابر في نسخته فقرأه أبي فما خالف حرف حرفاً].

قال جابر: أشهد بالله هكذا رأيته في اللوح: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عند الله العزيز الحكيم لمحمّد [بن عبد الله نبيّه]ونوره وسفيره وحجابه، نزل به الروح الأمين من عند ربّ العالمين، عظّم يا محمد أسمائي، واشكرنعمائي، ولا تجحد آلائي، انّي أنا الله لا إله إلاّ أنا، قاصم الجبّارين، ومذلّ الظالمين، وديّان الدين.

إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذّبته عذاباً لا اُعذّبه أحداً من العالمين، وإيّاي فاعبد وعليَّ فتوكّل، إنّي لم أبعث نبيّاً وأكملت أيّامه وأنقصت مدّته إلاّ جعلت له وصيّاً، وإنّي فضّلتك على الأنبياء، وفضّلت وصيّك على الأوصياء، وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسناً وحسيناً، فجعلت حسناً معدن [حلمي و] علمي بعد انقضاء مدّة أبيه، وجعلت حسيناً خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة.

جعلت كلمتي التامّة معه، والحجّة البالغة عنده، بعترته اُثيب واُعاقِب، أوّلهم عليّ سيّد العابدين وزين أوليائي الماضين، وابنه شبيه جدّه المحمود محمد الباقر لعلمي والمعدن لحكمتي، سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد عليَّ، حقّ القول منّي لأكرمنّ مثوى جعفر، ولأبشرنّه في أشياعه وأنصاره وأوليائه.

انتجبت بعده موسى، فتنة عمياء حندس، لأنّ خطط فرضي لا تنقطع وحجّتي لا تخفى، وانّ أوليائي لا يشقون، ألا ومن جحد واحداً منهم فقد جحد نعمتي، ومَن غيّر آية من كتابي فقد افترى عليّ، وويل للمغيّرين الجاحدين عند انقضاء مدّة عبدي موسى وحبيبي وخيرتي.

انّ المكذّب بالباقي مكذّب بكلّ أوليائي، وعلي وليّي وناصري ومن أضع عليه أعباء النبوّة، وأمنحه القيام بالاطلاع بها، يقتله عفريت مستكبر، يدفن بالمدينة التي بناها عبد صالح إلى جنب شرّ خلقي.

قد حقّ القول منّي لأقرّنّ عينه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه، فهو معدن علمي، وموضع سرّي، وحجّتي على خلقي، جعلت الجنّة مثواه، وشفّعته في سبعة من أهل بيته كلّهم قد استوجبوا النار، وأختم بالسعادة لابنه عليّ وليّي وناصري، والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي.

أخرج منه الداعي إلى سبيلي، والخازن العلمي الحسن، ثمّ أكمل ذلك بابنه رحمة للعالمين، عليه كمال وبهاء عيسى وصبر أيّوب، سيد الأولياء في زمانه.

ويتهادون رؤوسهم كما تهادى رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرنين في نسائهم، اُولئك أوليائي حقّاً، بهم أرفع كلّ فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل، وأرفع الآصار والأغلال، اُولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة واُولئك هم المهتدون".

قال عبد الرحمن بن سليم: قال أبو بصير: لولم تعرف في دهرك إلاّ هذا الحديث لكفاك قصة[فطنة] إلاّ عن أهله.

المصدر إرشاد القلوب:ج 2 ص 134-137.

بعض وصايا لقمان الحكيم لابنه عليهما السلام


بعض وصايا لقمان الحكيم لابنه عليهما السلام ( بسم الله الرحمن الرحيم )
عن الأوزاعي أن لقمان الحكيم - رحمه الله - لما خرج من بلاده نزل بقرية بالموصل يقال لها : كومليس [1] قال : فلما ضاق بها ذرعه واشتد بها غمه ولم يكن بها أحد يعينه على أمره ، أغلق الباب وأدخل ابنه يعظه فقال :
يا بني إن الدنيا بحر عميق هلك فيها بشر كثير ، تزود من عملها واتخذ سفينة حشوها تقوى الله ثم اركب لجج الفلك تنجو وإني لخائف أن لا تنجو .
يا بني السفينة إيمان وشراعها التوكل وسكانها الصبر ومجاذيفها [2] الصوم و الصلاة والزكاة .
يا بني من ركب البحر من غير سفينة غرق .
يا بني أقل الكلام واذكر الله عز وجل في كل مكان فإنه قد أنذرك وحذرك و بصرك وعلمك .
يا بني اتعظ بالناس قبل أن يتعظ الناس بك .
يا بني اتعظ بالصغير قبل أن ينزل بك الكبير .
يا بني أملك نفسك عند الغضب حتى لا تكون لجهنم حطبا " .
يا بني الفقر خير من أن تظلم وتطغى .
يا بني إياك أن تستدين فتخون من الدين .
يا بني إياك أن تستذل فتخزي .
يا بني إياك أن تخرج من الدنيا فقيرا " وتدع أمرك وأموالك عند غيرك قيما ، فتصيره أميرا " .
يا بني إن الله تعالى رهن الناس بأعمالهم فويل لهم مما كسبت أيديهم و أفئدتهم .

[1] في بعض النسخ [ كوماس ] .
[2] المجذاف : ما تدفع به السفينة كالمجذاف .

يا بني لا تأمن الدنيا والذنوب والشيطان فيها .
يا بني إنه قد افتتن الصالحون من الأولين فكيف ينجو منه الآخرون .
يا بني اجعل الدنيا سجنك فتكون الآخرة جنتك .
يا بني إنك لم تكلف أن تشيل الجبال [1] ولم تكلف ما لا تطيقه ، فلا تحمل البلاء على كتفك ولا تذبح نفسك بيدك .
يا بني إنك كما تزرع تحصد وكما تعمل تجد .
يا بني لا تجاورن الملوك فيقتلوك ولا تطيعهم فتكفر .
يا بني جاور المساكين واخصص الفقراء والمساكين من المسلمين .
يا بني كن لليتيم كالأب الرحيم وللأرملة كالزوج العطوف .
يا بني إنه ليس كل من قال : اغفر لي غفر له ، إنه لا يغفر إلا لمن عمل بطاعة ربه .
يا بني الجار ثم الدار . يا بني الرفيق ثم الطريق .
يا بني لو كانت البيوت على العجل ما جاور رجل سوء أبدا " .
يا بني الوحدة خير من صاحب السوء .
يا بني الصاحب الصالح خير من الوحدة .
يا بني نقل الحجارة والحديد خير من قرين السوء .
يا بني إني نقلت الحجارة والحديد فلم أجد شيئا " أثقل من قرين السوء .
يا بني إنه من يصحب قرين السوء لا يسلم ، ومن يدخل مداخل السوء يتهم .
يا بني من لا يكف لسانه يندم .
يا بني المحسن تكافي بإحسانه والمسيئ يكفيك مساويه ، لو جهدت أن تفعل به أكثر مما يفعله بنفسه ما قدرت عليه .
يا بني من ذا الذي عبد الله فخذله ، ومن ذا الذي ابتغاه فلم يجده .
يا بني ومن ذا الذي ذكره فلم يذكره ، ومن ذا الذي توكل على الله فوكله إلى غيره ، ومن ذا الذي تضرع إليه جل ذكره فلم يرحمه .

[1] أشال الشئ : رفعه وحمله .

يا بني شاور الكبير ولا تستحيي من مشاورة الصغير .
يا بني إياك ومصاحبة الفساق ، هم كالكلاب إن وجدوا عندك شيئا " أكلوه وإلا ذموك وفضحوك ، وإنما حبهم بينهم ساعة .
يا بني معاداة المؤمنين خير من مصادقة الفاسق .
يا بني المؤمن تظلمه ولا يظلمك ، وتطلب عليه فيرضى عنك ، والفاسق لا يراقب الله فكيف يراقبك .
يا بني استكثر من الأصدقاء ولا تأمن من الأعداء فإن الغل في صدورهم مثل الماء تحت الرماد .
يا بني إبدء الناس بالسلام والمصافحة قبل الكلام .
يا بني لا تكالب الناس فيمقتوك ، ولا تكن مهينا " فيذلوك ، ولا تكن حلوا " فيأكلوك ، ولا تكن مرا " فيلفظوك ، - ويروى ولا تكن حلوا " فتبلع - ولا مرا فترمى .
يا بني لا تخاصم في علم الله فإن علم الله لا يدرك ولا يحصى .
يا بني خف الله مخافة لا تيأس من رحمته وارجه رجاء لا تأمن من مكره .
يا بني انه النفس عن هواها فإنك إن لم تنه النفس عن هواها لم تدخل الجنة ولم ترها . - ويروى انه نفسك عن هواها فإن في هواها رداها - .
يا بني إنك منذ يوم هبطت من بطن أمك استقبلت الآخرة واستدبرت الدنيا فإنك إن نلت مستقبلها أولى بك أن تستدبرها .
يا بني إياك والتجبر والتكبر والفخر فتجاور إبليس في دار.
يا بني دع عنك التجبر والكبر ودع عنك الفخر ، واعلم أنك ساكن القبور .
يا بني اعلم أنه من جاور إبليس وقع في دار الهوان ، لا يموت فيها ولا يحيى .
يا بني ويل لمن تجبر وتكبر ، كيف يتعظم من خلق من طين وإلى طين يعود ثم لا يدري إلى ماذا يصير إلى الجنة فقد فاز ، أو إلى النار فقد خسر خسرانا " مبينا " وخاب ، - ويروى كيف يتجبر من قد جرى في مجرى البول مرتين - .
يا بني كيف ينام ابن آدم والموت يطلبه ، وكيف يغفل ولا يغفل عنه .

يا بني إنه قد مات أصفياء الله عز وجل وأحباؤه وأنبياؤه صلوات الله عليهم فمن ذا بعد هم يخلد فيترك .
يا بني لا تطأ أمتك ولو أعجبتك وانه نفسك عنها وزوجها .
يا بني لا تفشين سرك إلى امرأتك ولا تجعل مجلسك على باب دارك .
يا بني إن المرأة خلقت من ضلع أعوج إن أقمتها كسرتها وإن تركتها تعوجت ، ألزمهن البيوت فإن أحسن فاقبل إحسانهن وإن أسئن فاصبر إن ذلك من عزم الأمور .
يا بني النساء أربعة : ثنتان صالحتان وثنتان ملعونتان فأما إحدى الصالحتين فهي الشريفة في قومها الذليلة في نفسها ، التي إن أعطيت شكرت وإن ابتليت صبرت ، القليل في يديها كثير الصالحة في بيتها ، والثانية الودود الولود ، تعود بخير على زوجها ، هي كالأم الرحيم تعطف على كبيرهم وترحم صغيرهم وتحب ولد زوجها وإن كانوا من غيرها ، جامعة الشمل ، مرضية البعل ، مصلحة في النفس ، والأهل والمال والولد ، فهي كالذهب الأحمر طوبى لمن رزقها ، إن شهد زوجها أعانته وإن غاب عنها حفظته ، وأما إحدى الملعونتين فهي العظيمة في نفسها ، الذليلة في قومها ، التي إن أعطيت سخطت وإن منعت عتبت وغضبت ، فزوجها منها في بلاء وجيرانها منها في عناء ، فهي كالأسد إن جاورته أكلك وإن هربت منه قتلك ، و الملعونة الثانية فهي عند زوجها وميلها في جيرانها ، فهي سريعة السخطة ، سريعة الدمعة إن شهد زوجها لم تنفعه وإن غاب عنها فضحته ، فهي بمنزلة الأرض النشاشة [1] إن أسقيت أفاضت الماء وغرقت ، وإن تركتها عطشت ، وإن رزقت منها ولدا " لم تنتفع به .
يا بني لا تتزوج بأمة فيباع ولدك بين يديك وهو فعلك بنفسك .
يا بني لو كانت النساء تذاق كما تذاق الخمر ما تزوج رجل امرأة سوء أبدا " .
يا بني أحسن إلى من أساء إليك ولا تكثر من الدنيا فإنك على غفلة [2] منها وانظر إلى ما تصير منها .
يا نبي لا تأكل مال اليتيم فتفتضح يوم القيامة وتكلف أن ترده إليه .

[1] كذا وفي بعض النسخ [ النسوان ] .
[2] كذا وفي بعض النسخ [ على رحلة ] .

يا بني إنه إن أغنى أحد عن أحد لأغنى الولد عن والده .
يا بني إن النار تحيط بالعالمين كلهم فلا ينجو منها أحد إلا من رحمه الله و قربه منه .
يا بني لا يغرنك خبيث اللسان فإنه يختم على قلبه وتتكلم جوارحه وتشهد عليه .
يا بني لا تشتم الناس فتكون أنت الذي شتمت أبويك .
يا بني لا يعجبك إحسانك ولا تتعظمن بعملك الصالح فتهلك .
يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور .
يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم .
يا بني ولا تمشي في الأرض مرحا " إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا " .
يا بني إن كل يوم يأتيك يوم جديد ، يشهد عليك عند رب كريم .
يا بني إنك مدرج في أكفانك ومحل قبرك ومعاين عملك كله .
يا بني كيف تسكن دار من قد أسخطته ؟ أم كيف تجاور من قد عصيته ؟ .
يا بني عليك بما يعنيك ودع عنك ما لا يعنيك فإن القليل منها يكفيك والكثير منها لا يعنيك .
يا بني لا تؤثرون على نفسك سواها ، ولا تورث مالك أعدائك .
يا بني إنه قد أحصى الحلال الصغير فكيف بالحرام الكثير ؟ .
يا بني اتق النظر إلى ما لا تملكه وأطل التفكر في ملكوت السماوات والأرض والجبال وما خلق الله فكفى بهذا واعظا " لقلبك .
يا بني أقبل وصية الوالد الشفيق .
يا بني بادر بعلمك قبل أن يحضر أجلك وقبل أن تسير الجبال سيرا " ، وتجمع الشمس والقمر .
يا بني إنه [1] حين تتفطر السماء وتطوى وتنزل الملائكة صفوفا " خائفين حافين مشفقين وتكلف أن تجاوز الصراط وتعاين حينئذ عملك وتوضع الموازين وتنشر الدواوين .
[1] أي يوم القيامة .

في حكم لقمان فيما أوصى به ابنه أنه قال :
يا بني تعلمت بسبعة آلاف من الحكمة فاحفظ منها أربعة ومر معي إلى الجنة :
أحكم سفينتك فإن بحرك عميق ، وخفف حملك فإن العقبة كؤود ، وأكثر الزاد فإن السفر بعيد ، وأخلص العمل فإن الناقد بصير  .
الاختصاص : 336- 341 .

فضائل سلمان وأبى ذر ومقداد وعمار رضى الله عنهم

 فضائل سلمان وأبى ذر ومقداد وعمار رضى الله عنهم)(أجمعين ، وفيه فضائل بعض أكابر الصحابة) 

1 -  قال أبوعبدالله عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه واله : إن الله تبارك وتعالى أمرني بحب أربعة ، قالوا : من هم يا رسول الله؟ قال : علي بن أبي طالب منهم ، ثم سكت ، ثم قال : إن الله تبارك و تعالى أمرني بحب أربعة ، قالوا : من هم يا رسول الله؟ قال : علي بن أبي طالب ، و المقداد بن الاسود ، وأبوذر الغفاري ، وسلمان الفارسي.قرب الاسناد : 27.

2 -عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله : « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا  » قال : هذه نزلت في أبي ذر و المقداد وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر جعل الله لهم جنات الفردوس نزلا : مأوى ومنزلا. الخبر. تفسير القمى : 407 فيه : اى مأوى. والاية في الكهف : 107. 

3 -عن ابن بريدة ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه واله قال : إن الله عزوجل أمرني بحب أربعة ، فقلنا يا رسول الله من هم؟ سمهم لنا ، فقال : علي منهم ، وسلمان وأبوذر والمقداد ، أمرني بحبهم ، وأخبرني أنه يحبهم.الخصال 1 : 121.

4 - قال رسول الله صلى الله عليه واله : إن الله عزوجل أمرني بحب أربعة من أصحابي ، وأخبرني أنه يحبهم ، قلنا : يا رسول الله فمن هم؟ فكلنا نحب أن نكون منهم ، فقال : ألا إن عليا منهم ، ثم سكت ، ثم قال : ألا إن عليا منهم ، ثم سكت ، ثم قال : ألا إن عليا منهم وأبوذر وسلمان الفارسي والمقداد بن الاسود الكندي.الخصال 1 : 121.

5 - قال رسول الله صلى الله عليه واله : إن الله تعالى أمرني بحب أربعة من أصحابي وأخبرني أنه يحبهم ، فقيل : يا رسول الله من من هم؟ قال : علي والمقداد وسلمان وأبوذر. الاستيعاب 2 : 56.

6- عن  أبي عبدالله عليه السلام  ، عن أبيه / قال : قال عمار بن ياسر : قاتلت تحت هذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه واله وأهل بيته ثلاثا ، وهذه الرابعة ، والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا السعفات من هجر لعلمنا أنا على الحق أنهم على الباطل الخبر[٥]. الخصال 1 : 132 و 133.

7 -  عن الرضا ، عن آبائه : عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : قال النبي (صلى الله عليه واله) : الجنة تشتاق إليك يا علي ، وإلى عمار وسلمان وأبي ذر والمقداد. الخصال 1 : 145. 

8 -  قال علي بن أبي طالب عليه السلام : السباق خمسة ، فأنا سابق العرب ، وسلمان سابق فارس ، وصهيب سابق الروم ، وبلال سابق الحبش[1] وخباب سابق النبط[2]. الخصال 1 : 150.
[1] الحبشة خ ل. [2]القبط خ ل 

 بيان : خباب هو ابن الارت بفتح الخاء وتشديد الباء ، وفتح الهمزة و الراء وتشديد التاء ، قال ابن عبدالبر وغيره : وكان فاضلا من المهاجرين الاولين شهد بدرا وما بعدها من المشاهد مع رسول الله (صلى الله عليه واله) وكان قديم الاسلام ممن عذب في الله وصبر على دينه ، نزل الكوفة ومات بها سنة سبع وثلاثين[1] بعد أن شهد مع علي عليه السلام صفين والنهروان ، وصلى عليه علي وكان سنه إذ مات ثلاثا وستين ، و قيل : أكثر ، وعن الشعبي أنه سأل عمر خبابا عما لقي من المشركين ، فقال : انظر إلى ظهري فنظر فقال : ما رأيت كاليوم ظهر رجل ، فقال خباب : لقد اوقدت لي نار و سحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهرى. الاستيعاب 1 : 423 و 424.
[1]في الاستيعاب : وقيل : بل سنة تسع وثلاثين ، وقيل : مات سنة تسع عشرة بالمدينة. 

9 - عن الصادق عليه السلام  قال : الولاية للمؤمنين الذين لم يغيروا ولم يبدلوا بعد نبيهم صلى الله عليه واله واجبة ، مثل سلمان الفارسي وأبي ذر الفغاري والمقداد بن الاسود الكندي وعمار بن ياسر وجابر بن عبدالله الانصاري وحذيفة بن اليمان وأبي الهيثم بن التيهان وسهل بن حنيف وأبي أيوب الانصاري وعبدالله بن الصامت وعبادة بن الصامت وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبو [1] سعيد الخدري و من نحا نحوهم ، وفعل مثل فعلهم.عيون اخبار الرضا : 269.
[1] الصحيح كما في المصدر : وابى سعيد.

10 ـ  عن الرضا عن آبائه : قال : قال  رسول الله (صلى الله عليه واله)  : إن الله أمرني بحب أربعة : علي وسلمان وأبي ذر والمقداد بن الاسود.عيون اخبار الرضا :200.

11 -  عن الرضا ، عن علي عليه السلام قال : قال النبي (صلى الله عليه واله) : سلمان منا أهل البيت. عيون اخبار الرضا : 224.

12 - عن النبي (صلى الله عليه واله) قال : يقتل عمارا الفئة الباغية.بحار الانوار : ج 22 ص 326.

13 - عن  النبي (صلى الله عليه واله) قال : عمار على الحق حتى[1]يقتل بين فئتين ، إحدى الفئتين على سبيلي وسنتي ، والآخرون مارقة من الدين خارجة عنه. اخبار الرضا : 225.

تفخيمه وتوقيره في حياته وبعد وفاته (ص)1

 آداب العشرة معه ، وتفخيمه وتوقيره في حياته وبعد وفاته صلى الله عليه واله وسلم

كنت جليساً للصادق عليه السلام بالمدينة ففقدني أياماً ، ثم إني جئتُ إليه فقال لي : لم أرك َمنذ أيام يا أبا هارون !.. فقلت : وُلد لي غلامٌ ، فقال : بارك الله لك فيه ، فما سميته ؟.. قلت : محمداً ، فأقبل نحو الأرض وهو يقول : محمدٌ محمدٌ محمدٌ ، حتّى كاد يلصق خده بالأرض ، ثم قال : بنفسي وبولدي وبأمّي وبأبويّ وبأهل الأرض كلهم جميعاً الفداء لرسول الله  لا تسبّه ولا تضربه ، ولا تسيئ إليه !.. واعلم أنه ليس في الأرض دار فيها اسم محمد ، إلا وهي تُقدّس كل يوم .ص30 المصدر: فروع الكافي 2/92.

عن الصادق (عليه السلام : إذا ذُكر النبي (صلى الله عليه واله وسلم) فأكثِروا الصلاة عليه ، فإنه مَن صلّى على النبي (صلى الله عليه واله وسلم) صلاةً واحدةً ، صلّى الله عليه ألف صلاة في ألف صف من الملائكة ، ولم يبقَ شيءٌ مما خلقه الله إلا صلّى على العبد ، لصلاة الله عليه وصلاة ملائكته ، فمَن لم يرغب في هذا فهو جاهل مغرورٌ ، قد بَرِأ الله منه ورسولهُ وأهل بيته . ص31 المصدر: أصول الكافي 2/492.

عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) : مَن ذُكرتُ عنده فنسي أن يصلّي عليَّ ، خطأ الله به طريق الجنة . ص31 المصدر: أصول الكافي 2/495.

ولقد كنت أرى جعفر بن محمد (عليهما السلام وكان كثير الدعابة والتبسّم ، فإذا ذُكر عنده النبي (صلى الله عليه واله وسلم) اصفّر ، وما رأيت يحدّث عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) إلا على طهارة ، وقد كنت اختلف إليه زماناً فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال : إما مصلّياً ، وإما صامتاً ، وإما يقرأ القرآن ، ولا يتكلّم فيما لا يعنيه ، وكان من العلماء والعبّاد الذين يخشون الله عزّ وجلّ . ص33 المصدر: شرح الشفاء 1/67.

عن الباقر (عليه السلام :كان رسول الله في قبة من أدم ، وقد رأيت بلالاً الحبشي وقد خرج من عنده ومعه فضل وضوء رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم فابتدره الناس ، فمَن أصاب منه شيئاً تمسّح به وجهه ، ومَن لم يصب منه شيئاً أخذ من يدي صاحبه فمسح به وجهه ، وكذلك فُعل بفضل وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) . ص33 المصدر: العيون ص227.

عن الباقر (عليه السلام : ما اشتكى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وجعاً قطّ ، إلا كان مفزعه إلى الحجامة . ص33 المصدر: طب الأئمة ص69.

قال أبو ظبية : حجمت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وأعطاني ديناراً وشربت دمه ، فقال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أشربت ؟.. قلت : نعم ، قال : وما حملك على ذلك ؟.. قلت : أتبرّك به ، قال : أخذت أماناً من الأوجاع والأسقام والفقر والفاقة ، والله ما تمسّك النار أبداً . ص33 المصدر: طب الأئمة ص69.

رسالة الإمام العسكري(ع) إلى إسحاق بن إسماعيل النيسابوري

 مواعظ أبى محمد العسكري عليهما السلام وكتبه إلى أصحابه

[إسحاق بن إسماعيل النيسابوري] هو ثقة من أصحاب أبي محمد العسكري عليه السلام وممن كانت ترد عليهم التوقيعات أيضا.

حكى بعض الثقات بنيسابور أنه خرج لإسحاق بن إسماعيل من أبي محمد عليه السلام توقيع :
يا إسحاق بن إسماعيل سترنا الله وإياك بستره ، وتولاك في جميع أمورك بصنعه ، قد فهمت كتابك يرحمك الله ، ونحن بحمد الله ونعمته أهل بيت نرق على موالينا ، ونسر بتتابع احسان الله إليهم وفضله لديهم ، ونعتد بكل نعمة ينعمها الله عز وجل عليهم . 

فأتم الله عليكم بالحق ومن كان مثلك ممن قد رحمه وبصره بصيرتك ، ونزع عن الباطل ، ولم يعم [1] في طغيانه بعمه ، فإن تمام النعمة دخولك الجنة ، وليس من نعمة وإن جل أمرها وعظم خطرها إلا والحمد لله تقدست أسماؤه عليها يؤدى شكرها. [1]ولم يقم خ ل.

 وأنا أقول : الحمدلله مثل ما حمد الله به حامد إلى أبدا لابد ، بما من به عليك من نعمته ، ونجاك من الهلكة وسهل سبيلك على العقبة ، وأيم الله إنها لعقبة كؤد شديد أمرها ، صعب مسلكها ، عظيم بلاؤها ، طويل عذابها ، قديم في الزبر الاولى ذكرها.

ولقد كانت منكم امور في أيام الماضي إلى أن مضى لسبيله صلى الله على روحه وفي أيامي هذه كنتم فيها غير محمودي الشأن ولا مسددي التوفيق ، واعلم يقينايا إسحاق أن من خرج من هذه الحياة الدنيا أعمى فهو في الاخرة أعمى وأضل سبيلا. 

 إنها يا ابن اسماعيل ليس تعمى الابصار ، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وذلك قول الله عزوجل في محكم كتابه للظالم ، رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا « قال الله عزوجل « كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى» [1] وأي آية يا إسحاق أعظم من حجة الله عزوجل على خلقه ، وأمينه في بلاده ، و شاهد على عباده ، من بعد ما سلف من آبائه الاولين من النبيين وآبائه الاخرين من الوصيين ، عليهم أجمعين رحمة الله وبركاته.[1]طه : 126.

 فأين يتاه بكم؟ وأين تذهبون كالا نعام على وجوهكم؟ عن الحق تصدفون وبالباطل تؤمنون ، وبنعمة الله تكفرون ، أو تكذبون ، فمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم ومن غير كم إلا خزي في الحياة الدنيا الفانية ، وطول عذاب الاخرة الباقية ، وذلك والله الخزي العظيم.

 إن الله بفضله ومنه لما فرض عليكم الفرائض ، لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليكم ، بل رحمة منه لا إله إلا هو عليكم ، ليميز الله الخبيث من الطيب وليبتلي ما في صدور كم ، وليمحص ما في قلوبكم ولتألفوا [2] إلى رحمته ، ولتتفاضل منارلكم في جنته.[2]ولتتسا بقوا ، خ ل.

 ففرض عليكم الحج والعمرة وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والصوم ، و الولاية ، وكفابهم لكم بابا ليفتحوا أبواب الفرائض ، ومفتاحا إلى سبيله ، ولولا محمد 9 والاوصياء من بعده لكنتم حيارى كالبهائم ، لاتعرفون فرضا من الفرائض وهل يدخل قرية إلا من بابها. 

 فلما من عليكم باقامة الاولياء بعد نبيه ، قال الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه واله {اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ علَيْكُم نِعْمَتي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا} [1] وفرض عليكم لاوليائه حقوقا أمركم بأدائها إليهم ، ليحل لكم ما وراء ظهور كم من أزواجكم وأموالكم ومأكلكم ومشربكم ، ويعرفكم بذلك النماء والبركة و الثروة ، وليعلم من يطيعه منكم بالغيب ، قال الله عزوجل «  قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى» [2].[1]المائدة : 3. [2]الشورى : 23. 

 واعلموا أن من يبخل فانما يبخل على نفسه ، وأن الله هو الغني وأنتم الفقراء لا إله إلا هو.

 ولقد طالت المخاطبة فيما بيننا وبينكم فيما هو لكم وعليكم ، ولولا ما يجب من تمام النعمة من الله عزوجل عليكم ، لما أريتكم مني خطا ولاسمعتم منى حرفا من بعد الماضي عليه السلام.

 أنتم في غفلة عما إليه معاد كم ، ومن بعد الثاني رسولي وما ناله منكم حين أكرمه الله بمصيره إليكم ، ومن بعد إقامتي لكم إبراهيم ابن عبدة ، وفقه الله لمرضاته وأعانه على طاعته ، وكتابه الذي حمله محمد بن موسى النيسابوري والله المستعان على كل حال ، وإني أراكم مفرطين في جنب الله فتكونون من الخاسرين. 

 فبعدا وسحقا لمن رغب عن طاعة الله ، ولم يقبل مواعظ أوليائه ، وقد أمر كم الله عزوجل بطاعته لا إله إلا هو ، وطاعة رسوله 9 وبطاعة اولي الامر : فرحم الله ضعفكم وقلة صبركم عما أمامكم فما أغر الانسان بربه الكريم ، واستجاب الله تعالى دعائي فيكم ، وأصلح امور كم على يدي ، فقد قال الله جل جلاله ،(يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ۖ)« [3] وقال جل جلاله : » و [كَذَٰلِكَ ] جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ« [4] وقال الله جل جلاله 
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) » [5] فما احب أن يدعو الله جل جلاله بي ولا بمن هو في أيامي إلا حسب رقتي عليكم ، وما انطوى لكم عليه من حب بلوغ الامل في الدارين جميعا ، والكينونة معنا في الدنيا والاخرة .[3]الاسراء : 71. [4]البقرة : 143. [5]آل عمران : 110.

فقد ـ يا إسحاق! يرحمك الله ويرحم من هووراءك ـ بينت لك بيانا وفسرت لك تفسيرا ، وفعلت بكم فعل من لم يفهم هذا الامر قط ولم يدخل فيه طرفة عين ، و لو فهمت الصم الصلاب بعض ما في هذا الكتاب ، لتصدعت قلقا خوفا من خشية الله ورجوعا إلى طاعة الله عزوجل ، فاعموا من بعد ماشئتم فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون والعاقبة للمتقين والحمد لله كثيرا رب العالمين.

وأنت رسولي يا إسحاق إلى إبراهيم بن عبده وفقه الله أن يعمل بماورد عليه في كتابي مع محمد بن موسى النيسابوري إنشاء الله ورسولي نفسك وإلى كل من خلفت ببلدك أن تعملوا بما ورد عليكم في كتابي مع محمد بن موسى النيسابوري إن شاء الله. 

 ويقرء إبراهيم بن عبده كتابي هذا على من خلفه ببلده حتى لا يتساءلون ، و بطاعة الله يعتصمون ، والشيطان بالله عن أنفسهم يجتنبون ولا يطيعون ، وعلى إبراهيم ابن عبده سلام الله ورحمته وعليك يا إسحاق ، وعلى جميع موالي السلام كثيرا سدد كم الله جميعا بتوفيقه. 

 وكل من قرء كتابنا هذا من موالي من أهل بلدك ، ومن هو بنا حيتكم ونزع عما هو عليه من الانحراف عن الحق فليؤد حقوقنا إلى إبراهيم ، وليحمل ذلك إبراهيم بن عبده إلى الرازي رضي الله عنه أو إلى من يسمي له الرازي ، فان ذلك عن أمري ورأيي إنشاء الله.

ويا إسحاق اقرأ كتابي على البلالي رضي الله عنه فانه الثقة المأمون ، العارف بما يجب عليه ، واقرءه على المحمودي عافاه الله فما أحمدنا له لطاعته ، فاذاوردت بغداد فاقرءه على الدهقان وكيلنا وثقتنا ، والذي يقبض من موالينا وكل من أمكنك من موالينا فأقرئهم هذا الكتاب ، وينسخه من أراد منهم نسخة إنشاء الله ولا يكتم أمرهذا عمن شاهده من موالينا ، إلا من شيطان مخالف لكم ، فلا تنثرن الدر بين أظلاف الخنازير ، ولا كرامة لهم. 

 وقد وقعنا في كتابك بالوصول والدعاء لك ولمن شئت ، وقد أجبنا سعيدا [1] عن مسألته والحمد لله فما ذا بعد الحق إلا الضلال ، فلا تخرجن من البلد حتى تلقى العمري رضي الله عنه برضاي عنه ، وتسلم عليه ، وتعرفه ويعرفك ، فانه الطاهر الامين العفيف القريب منا وإلينا. فكل ما يحمل إلينا من شئ من النواحي فاليه يصير آخر أمره ، ليوصل ذلك إلينا ، والحمد لله كثيرا. [1]شيعتنا خ ل.

 سترنا الله وإياكم يا إسحاق بستره وتولاك في جميع امورك بصنعه ، والسلام عليك وعلى جميع موالى ورحمة الله وبركاته ، وصلى الله على سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسليما كثيرا.رجال الكشى ص 481 ـ 485.

تحريم الحسد ، ووجوب اجتنابه ، دون الغبطة 3

تحريم الحسد ، ووجوب اجتنابه ، دون الغبطة)

1 - عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن أبيه (عليهم السلام) ، قال : «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : أقل الناس لذة الحسود».الغايات ص 65. 

2 - عن هشام بن الحكم ، عن الكاظم (عليه السلام) ، قال : «يا هشام ، أفضل ما تقرب [1] به العبد إلى الله بعد المعرفة به ، الصلاة ، وبر الوالدين ، وترك الحسد والعجب والفخر». تحف العقول ص 291. 
 [1] في المصدر : يتقرب.

3 ـ وعن عبد الله بن جندب قال : قال الصادق (عليه السلام) : «إنّ أبغضكم إليَّ المترئسون ، المشاؤون بالنمائم ، الحسدة لإخوانهم ، ليسوا منّي ، ولا أنا منهم ـ إلى أن قال ـ ثم قال : والله لو قدم أحدكم ملء الأرض ذهباً على الله ، ثم حسد مؤمناً ، لكان ذلك الذهب مما يكوى به في النار» الخبر.تحف العقول ص228.

4- عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جده علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) ، قال : «ليس من أخلاق المؤمنين [1] التملق والحسد ، إلّا في طلب العلم».  الجعفريات 235. 
 [1] في المصدر : «المؤمن».

5- عن علي (عليه السلام) ، قال : «لا يكون العبد عالماً ، حتّى لا يحسد من فوقه ، ولا يحقّر من هو دونه».الجعفريات 233. 

6- عن علي (عليه السلام) ، قال : «يقول إبليس لجنده : ألقوا بينهم البغي والحسد ، فإنّهما يعدلان قريباً من الشرك».مستدرك الوسائل : ج 12 ص 20 ح 13397.

7 -  عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام) ، قال : «إياك والحسد ، فإنّه يبين فيك ، ولا يعمل في عدوك».عن اعلام الدين ص 99.

8 - عن حماد بن عيسى ، عن الصادق (عليه السلام) ، قال : «قال لقمان : يا بني احذر الحسد فلا يكونن من شأنك ، واجتنب سوء الخلق ولا [1] يكونن من طبعك ، فإنّك لا تضر بهما إلّا نفسك ، وإذا كنت أنت الضار لنفسك كفيت عدوك أمرك ، لأنّ عداوتك لنفسك أضر عليك من عداوة [2] غيرك». قصص الأنبياء ص 199
 [1] في المصدر : «فلا». 
 [2] لم ترد في المصدر. 

9- عن علي بن الحسين (عليهما السلام) ، أنّه قال : «الحسود لا ينال شرفاً ، والحقود يموت كمداً ، واللئيم يأكل ماله الأعداء ، والذي خبث لا يخرج إلّا نكدا».نزهة الناظر ص 44.

10 -  قال الصادق (عليه السلام) : «الحاسد يضر بنفسه قبل أن يضر بالمحسود ، كإبليس أورث بحسده لنفسه اللعنة ، ولآدم (عليه السلام) الاجتباء والهدى ، والرفع إلى محل حقائق العهد والاصطفاء ، فكن محسوداً ولا تكن حاسداً ، فإنّ ميزان الحاسد أبداً خفيف بثقل ميزان المحسود ، والرزق مقسوم ، فماذا ينفع الحسد الحاسد ، وماذا يضر المحسود الحسد ، والحسد أصله من عمى القلب ، والجحود بفضل الله تعالى ، وهما جناحان للكفر ، وبالحسد وقع ابن آدم في حسرة الأبد ، وهلك مهلكاً لا ينجو منه أبداً ، ولا توبة لحاسد ، لأنّه مصر عليه ، معتقد به ، مطبوع فيه ، يبدو بلا معارض له ولا سبب ، والطبع لا يتغير عن الأصل وإن عولج».مصباح الشريعة ص 285.

11 -  عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال : «لما هبط نوح (عليه السلام) من السفينة ، أتاه إبليس فقال له : ما في الأرض رجل أعظم منةً عليّ منك ، دعوت الله على هؤلاء الفساق فأرحتني منهم ،ألا أُعلّمك خصلتين؟ إيّاك والحسد ، فهو الذي عمل بي ما عمل ، وإيّاك والحرص ، فهو الذي عمل بآدم ما عمل». الخصال ص 50 ح 61. 

خطبة الإمام علي في مدح رسول الله والأئمة عليهم ‌السلام

خُطْبَة : فِي مَدْحِ رَسُولِ اللَّهِ صلى ‌الله‌عليه ‌وآله وَالْأَئِمَّة عليهم‌السلام . عَنِ الْحَسَنِ بْنُ عَلِيٍّ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ مُ...