الأحد، 28 يونيو 2026

خطبة الإمام علي بن الحسين بعد مقتل ابيه الحسين عليهما السلام في الكوفة


خُطبَةُ الإِمامِ عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ عليه السلام في أهلِ الكوفَةِ

الملهوف :
 إنَّ زَينَ العابِدينَ عليه السلام أومَأَ إلَى النّاسِ أنِ اسكُتوا ، فَسَكَتوا ، فَقامَ قائِماً ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى‌ عَلَيهِ ، وذَكَرَ النَّبِيَّ بِما هُوَ أهلُهُ فَصَلّى‌ عَلَيهِ ، ثُمَّ قالَ : أيُّهَا النّاسُ ! مَن عَرَفَني فَقَد عَرَفَني ، ومَن لَم يَعرِفني فَأَنَا اُعَرِّفُهُ بِنَفسي : أنَا عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ، أنَا ابنُ المَذبوحِ بِشَطِّ الفُراتِ مِن غَيرِ ذَحلٍ ولا تِراتٍ ، أنَا ابنُ مَنِ انتُهِكَ حَريمُهُ وسُلِبَ نَعيمُهُ وَانتُهِبَ مالُهُ وسُبِيَ عِيالُهُ ، أنَا ابنُ مَن قُتِلَ صَبراً وكَفى‌ بِذلِكَ فَخراً . أيُّهَا النّاسُ ! ناشَدتُكُمُ اللَّهَ ، هَل تَعلَمونَ أنَّكُم كَتَبتُم إلى‌ أبي وخَدَعتُموهُ ، وأعطَيتُموهُ مِن أنفُسِكُمُ العَهدَ وَالميثاقَ وَالبَيعَةَ وقاتَلتُموهُ وخَذَلتُموهُ ؟ ! فَتَبّاً لِما قَدَّمتُم لِأَنفُسِكُم وسوءاً لِرَأيِكُم ، بِأَيَّةِ عَينٍ تَنظُرونَ إلى‌ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله إذ يَقولُ لَكُم : قَتَلتُم عِترَتي وَانتَهَكتُم حُرمَتي فَلَستُم مِن اُمَّتي ؟ ! قالَ الرّاوي : فَارتَفَعَت أصواتُ النّاسِ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ ، ويَقولُ بَعضُهُم لِبَعضٍ : هَلَكتُم وما تَعلَمونَ .
رَحِمَ اللَّهُ امرَأً قَبِلَ نَصيحَتي وحَفِظَ وَصِيَّتي فِي اللَّهِ وفي رَسولِهِ وأهلِ بَيتِهِ ، فَإِنَّ لَنا في رَسولِ اللَّهِ اُسوَةً حَسَنَةً . فَقالوا بِأَجمَعِهِم : نَحنُ كُلُّنا يَابنَ رَسولِ اللَّهِ سامِعونَ مُطيعونَ ، حافِظونَ لِذِمامِكَ‌[1] غَيرَ زاهِدينَ فيكَ ولا راغِبينَ عَنكَ ، فَأمُرنا بِأَمرِكَ يَرحَمُكَ اللَّهُ ، فَإِنّا حَربٌ لِحَربِكَ وسِلمٌ لِسِلمِكَ ، لَنَأخُذَنَّ يَزيدَ ونَبرَأُ مِمَّن ظَلَمَكَ وظَلَمَنا . فَقالَ عليه السلام : هَيهاتَ هَيهاتَ ! أيُّهَا الغَدَرَةُ المَكَرَةُ ، حيلَ بَينَكُم وبَينَ شَهَواتِ أنفُسِكُم ، أتُريدونَ أن تَأتوا إلَيَّ كَما أتَيتُم إلى‌ أبي مِن قَبلُ ؟ ! كَلّا ورَبِّ الرّاقِصاتِ ، فَإِنَّ الجُرحَ لَمّا يَندَمِل ، قُتِلَ أبي صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيهِ بِالأَمسِ وأهلُ بَيتِهِ مَعَهُ ، ولَم يُنسِني ثُكلَ رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله وثُكلَ أبي وبَني أبي ، ووَجدُهُ بَينَ لَهَواتي ، ومَرارَتُهُ بَينَ حَناجِري وحَلقي ، وغُصَصُهُ تَجري في فِراشِ صَدري ، ومَسأَلَتي أن لا تَكونوا لَنا ولا عَلَينا . ثُمَّ قالَ : لا غَروَ إن قُتِلَ الحُسَينُ وشَيخُهُ‌ قَد كانَ خَيراً مِن حُسَينٍ وأكرَما

أصابَ حُسَيناً كانَ ذلِكَ أعظَما
جَزاءُ الَّذي أرداهُ نارُ جَهَنَّما

ثُمَّ قالَ عليه السلام : رَضينا مِنكُم رَأساً بِرَأسٍ ، فَلا يَومَ لَنا ولا عَلَينا .
[1] الذِّمَّةُ والذِّمامُ : وهما بمعنى العهد ، والأمانُ ، والضمانُ ، والحُرمة والحقّ (النهاية : ج 2 ص 168 «ذمم») .
[2] الملهوف : ص 199.

مواجهة إبن زياد وزينب عليها السلام

مُواجَهَةُ ابنِ زِيادٍ وزَينَبَ عليها السلام‌

الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) :
1- قُدِمَ بِهِم [أيِ الأَسرى‌] عَلى‌ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ ، فَقالَ عُبَيدُ اللَّهِ : مَن هذِهِ ؟ فَقالوا : زَينَبُ بِنتُ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ! فَقالَ : فَكَيفَ رَأَيتَ اللَّهَ صَنَعَ بِأَهلِ بَيتِكَ ؟ قالَت : كُتِبَ عَلَيهِمُ القَتلُ فَبَرَزوا إلى‌ مَضاجِعِهِم ، وسَيَجمَعُ اللَّهُ بَينَنا وبَينَكَ وبَينَهُم . قالَ : الحَمدُ للَّهِ‌ِ الَّذي قَتَلَكُم وأكذَبَ حَديثَكُم . قالَت : الحَمدُ للَّهِ‌ِ الَّذي أكرَمَنا بِمُحَمَّدٍ وطَهَّرَنا تَطهيراً . 
الطبقات الكبرى (الطبقة الخامسة من الصحابة) : ج 1 ص 481 .

2- عن حميد بن مسلم : لَمّا دُخِلَ بِرَأسِ حُسَينٍ عليه السلام وصِبيانِهِ وأخَواتِهِ ونِسائِهِ عَلى‌ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ ، لَبِسَت زَينَبُ ابنَةُ فاطِمَةَ عليها السلام أرذَلَ ثِيابِها ، وتَنَكَّرَت ، وحَفَّت بِها إماؤُها ، فَلَمّا دَخَلَت جَلَسَت ، فَقالَ عُبَيدُ اللَّهِ بنُ زِيادٍ : مَن هذِهِ الجالِسَةُ ؟ فَلَم تُكَلِّمهُ ، فَقالَ ذلِكَ ثَلاثاً ، كُلَّ ذلِكَ لا تُكَلِّمُهُ ، فَقالَ بَعضُ إمائِها : هذِهِ زَينَبُ ابنَةُ فاطِمَةَ عليها السلام . قالَ : فَقالَ لَها عُبَيدُ اللَّهِ : الحَمدُ للَّهِ‌ِ الَّذي فَضَحَكُم وقَتَّلَكُم وأكذَبَ اُحدوثَتَكُم ! فَقالَت : الحَمدُ للَّهِ‌ِ الَّذي أكرَمَنا بِمُحَمَّدٍ صلى اللَّه عليه وآله وطَهَّرَنا تَطهيراً ، لا كَما تَقولُ أنتَ ، إنَّما يَفتَضِحُ الفاسِقُ ، ويُكَذَّبُ الفاجِرُ . قالَ : فَكَيفَ رَأَيتِ صُنعَ اللَّهِ بِأَهلِ بَيتِكِ ؟ قالَت : كُتِبَ عَلَيهِمُ القَتلُ ، فَبَرَزوا إلى‌ مَضاجِعِهِم ، وسَيَجمَعُ اللَّهُ بَينَكَ وبَينَهُم ، فَتَحاجّونَ إلَيهِ ، وتَخاصَمونَ عِندَهُ . قالَ : فَغَضِبَ ابنُ زِيادٍ وَاستَشاطَ ، قالَ : فَقالَ لَهُ عَمرُو بنُ حُرَيثٍ : أصلَحَ اللَّهُ الأَميرَ ! إنَّما هِيَ امرَأَةٌ ، وهَل تُؤاخَذُ المَرأَةُ بِشَي‌ءٍ مِن مَنطِقِها ؟ إنَّها لا تُؤاخَذُ بِقَولٍ ، ولا تُلامُ عَلى‌ خَطَلٍ .[1] فَقالَ لَهَا ابنُ زِيادٍ : قَد أشفَى اللَّهُ نَفسي مِن طاغِيَتِكِ ، وَالعُصاةِ المَرَدَةِ مِن أهلِ بَيتِكِ . قالَ : فَبَكَت ، ثُمَّ قالَت : لَعَمري لَقَد قَتَلتَ كَهلي ، وأبَرتَ‌[2] أهلي ، وقَطَّعتَ فَرعي ، وَاجتَثَثتَ أصلي ، فَإِن يَشفِكَ هذا فَقَدِ اشتَفَيتَ . فَقالَ لَها عُبَيدُ اللَّهِ : هذِهِ شَجاعَةٌ[3] ، قَد لَعَمري كانَ أبوكَ شاعِراً شُجاعاً . قالَت : ما لِلمَرأَةِ وَالشَّجاعَةَ ! إنَّ لي عَنِ الشَّجاعَةِ لَشُغُلاً ، ولكِنَّ نَفثي‌[4] ما أقولُ .الإرشاد : ج 2 ص 115 .

[1] الخَطَلُ : المنطق الفاسد (النهاية : ج 2 ص 50 «خطل») .
[2] أبَرَ القَومَ : أهْلَكَهُم (القاموس المحيط : ج 1 ص 361 «أبر») .
[3] في الإرشاد وإعلام الورى‌ وكشف الغمّة : «سجاعة» بدل «شجاعة» في هذا المورد وما بعده ، والظاهر أنّه الصواب، ويؤيّده السّياق والنقل التالي له . قال الفيّومي : سَجَعَ الرجل كلامه : نظمه إذ جعل لكلامه فواصل كقوافي الشعر ولم يكن موزوناً (المصباح المنير : ص 267 «سجع») .
[4] نَفَثَ في رُوْعي : أي أوحى وألقى (النهاية : ج 5 ص 88 «نفث») .

1523.الملهوف :
3- إنَّ ابنَ زِيادٍ جَلَسَ فِي القَصرِ ، وأذِنَ إذناً عامّاً ، وجي‌ءَ بِرَأسِ الحُسَينِ عليه السلام فَوُضِعَ بَينَ يَدَيهِ ، واُدخِلَ نِساءُ الحُسَينِ عليه السلام وصِبيانُهُ إلَيهِ . فَجَلَسَت زَينَبُ ابنَةُ عَلِيٍّ عليها السلام مُتَنَكِّرَةً ، فَسَأَلَ عَنها ، فَقيلَ : هذِهِ زَينَبُ ابنَةُ عَلِيٍّ عليها السلام . فَأَقبَلَ عَلَيها وقالَ : الحَمدُ للَّهِ‌ِ الَّذي فَضَحَكُم وأكذَبَ اُحدوثَتَكُم ! فَقالَت : إنَّما يَفتَضِحُ الفاسِقُ ويُكَذَّبُ الفاجِرُ ، وهُوَ غَيرُنا . فَقالَ ابنُ زِيادٍ : كَيفَ رَأَيتِ صُنعَ اللَّهِ بِأَخيكِ وأهلِ بَيتِكِ ؟ فَقالَت : ما رَأَيتُ إلّا جَميلاً ، هؤُلاءِ قَومٌ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِمُ القَتلَ ، فَبَرَزوا إلى‌ مَضاجِعِهِم ، وسَيَجمَعُ اللَّهُ بَينَكَ وبَينَهُم ، فَتُحاجُّ وتُخاصَمُ ، فَانظُر لِمَنِ الفَلجُ‌[1] يَومَئِذٍ ، هَبِلَتكَ‌[2] اُمُّكَ يَابنَ مَرجانَةَ . قالَ الرّاوي : فَغَضِبَ وكَأَنَّهُ هَمَّ بِها . فَقالَ لَهُ عَمرُو بنُ حُرَيثٍ : أيُّهَا الأَميرُ إنَّهَا امرَأَةٌ ، وَالمَرأَةُ لا تُؤاخَذُ بِشَي‌ءٍ مِن مَنطِقِها . فَقالَ لَهَا ابنُ زِيادٍ : لَقَد شَفَى اللَّهُ قَلبي مِن طاغِيَتِكِ الحُسَينِ وَالعُصاةِ المَرَدَةِ مِن أهلِ بَيتِكِ ! فَقالَت : لَعَمري لَقَد قَتَلتَ كَهلي ، وقَطَعتَ فَرعي ، وَاجتَثَثتَ أصلي ، فَإِن كانَ هذا شِفاؤَكَ فَقَدِ اشتَفَيتَ . فَقالَ ابنُ زِيادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ : هذِهِ سَجّاعَةٌ ، ولَعَمري لَقَد كانَ أبوكَ شاعِراً (سَجّاعاً)[3] ، فَقالَت : يَابنَ زِيادٍ ما لِلمَرأَةِ وَالسَّجاعَةَ . الملهوف : ص 200.
[1] الفَلَجُ : الظَفَرُ والفَوزُ (الصحاح : ج 1 ص 335 «فلج») .
[2] هَبِلَتْهُ اُمُّهُ : أي ثَكِلَتْهُ ... والثَّكولُ : من النساء التي لا يبقى لها ولد (النهاية : ج 5 ص 240 «ثكل») .
[3] ما بين القوسين أثبتناه من بعض نسخ المصدر .

الأمالي للصدوق :
4- عن حاجب عبيد اللَّه بن زياد : إنَّ ابنَ زِيادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ دَعا بِعَلِيِّ بنِ الحُسَينِ عليه السلام وَالنِّسوَةِ ، وأحضَرَ رَأسَ الحُسَينِ عليه السلام ، وكانَت زَينَبُ بِنتُ عَلِيٍّ عليها السلام فيهِم . فَقالَ ابنُ زِيادٍ : الحَمدُ للَّهِ‌ِ الَّذي فَضَحَكُم وقَتَلَكُم ، وأكذَبَ أحاديثَكُم . فَقالَت زَينَبُ عليها السلام : الحَمدُ للَّهِ‌ِ الَّذي أكرَمَنا بِمُحَمَّدٍ وطَهَّرَنا تَطهيراً ، إنَّما يَفضَحُ اللَّهُ الفاسِقَ ويُكذِبُ الفاجِرَ . قالَ : كَيفَ رَأَيتِ صُنعَ اللَّهِ بِكُم أهلَ البَيتِ ؟ قالَت : كُتِبَ عَلَيهِمُ القَتلُ ، فَبَرَزوا إلى‌ مَضاجِعِهِم ، وسَيَجمَعُ اللَّهُ بَينَكَ وبَينَهُم فَتَتَحاكَمونَ عِندَهُ . فَغَضِبَ ابنُ زِيادٍ لَعَنَهُ اللَّهُ عَلَيها ، وهَمَّ بِها ، فَسَكَّنَ مِنهُ عَمرُو بنُ حَُريثٍ . فَقالَت زَينَبُ عليها السلام : يَابنَ زِيادٍ ، حَسبُكَ مَا ارتَكَبتَ مِنّا ، فَلَقَد قَتَلتَ رِجالَنا ، وقَطَعتَ أصلَنا ، وأبَحتَ حَريمَنا ، وسَبَيتَ نِساءَنا وذَرارِيَّنا ، فَإِن كانَ ذلِكَ لِلاِشتِفاءِ فَقَدِ اشتَفَيتَ . فَأَمَرَ ابنُ زِيادٍ بِرَدِّهِم إلَى السِّجنِ وبَعَثَ البَشائِرَ إلَى النّواحي بِقَتلِ الحُسَينِ عليه السلام ، ثُمَّ أمَرَ بِالسَّبايا ورَأس الحُسَينِ عليه السلام فَحُمِلوا إلَى الشّامِ . الأمالي للصدوق : ص 229 الرقم 242 .





خطبة زينب عليها السلام في أهل الكوفة

خُطبَةُ زَينَبَ عليها السلام في أهلِ الكوفَةِ

الأمالي للمفيد :
1- عن حذلم بن ستير : رَأَيتُ زَينَبَ بِنتَ عَلِيٍّ عليها السلام ولَم أرَ خَفِرَةً[1] قَطُّ أنطَقَ مِنها ، كَأَنَّها تُفرِغُ عَن لِسانِ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام . قالَ : وقَد أومَأَت إلَى النّاسِ أنِ اسكُتوا ، فَارتَدَّتِ الأَنفاسُ ، وسَكَتَتِ الأَصواتُ ، فَقالَت : الحَمدُ للَّهِ‌ِ وَالصَّلاةُ عَلى‌ أبي رَسولِ اللَّهِ ، أمّا بَعدُ يا أهلَ الكوفَةِ ، ويا أهلَ الخَتلِ‌[2] وَالخَذلِ ، فَلا رَقَأَتِ‌[3] العَبرَةُ ، ولا هَدَأَتِ الرَّنَّةُ ، فَما مَثَلُكُم إلّا «كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ »[4] . ألا وهَل فيكُم إلَّا الصَّلَفُ‌[5] النَّطَفُ‌[6] ، وَالصَّدَرُ الشَّنَفُ‌[7] ، خَوّارونَ فِي اللِّقاءِ ، عاجِزونَ عَنِ الأَعداءِ ، ناكِثونَ لِلبَيعَةِ ، مُضَيِّعونَ لِلذِّمَّةِ ، فَبِئسَ ما قَدَّمَت لَكُم أنفُسُكُم أن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيكُم ، وفِي العَذابِ أنتُم خالِدونَ .
 أتبكونَ ! إي وَاللَّهِ فَابكوا كَثيراً وَاضحَكوا قَليلاً ، فَلَقَد فُزتُم بِعارِها وشَنارِها[8] ، ولَن تَغسِلوا دَنَسَها عَنكُم أبَداً . فَسَليلَ خاتَمِ الرِّسالَةِ ، وسَيِّدَ شَبابِ أهلِ الجَنَّةِ ، ومَلاذَ خِيَرَتِكُم ، ومَفزَعَ نازِلَتِكُم ، وأمارَةَ مَحَجَّتِكُم ، ومَدرَجَةَ حُجَّتِكُم خَذَلتُم ، ولَهُ قَتَلتُم ! ألا ساءَ ما تَزِرونَ ، فَتَعساً ونُكساً ، فَلَقَد خابَ السَّعيُ ، وتَرِبَتِ الأَيدي‌[9] ، وخَسِرَتِ الصَّفقَةُ ، وبُؤتُم بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، وضُرِبَت عَلَيكُمُ الذِّلَّةُ وَالمَسكَنَةُ . وَيلَكُم، أتَدرونَ أيَّ كَبِدٍ لِمُحَمَّدٍ فَرَيتُم‌[10] ؟ وأيَّ دَمٍ لَهُ سَفَكتُم ؟ وأيَّ كَريمَةٍ لَهُ أصَبتُم ؟ «لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً »[11] ، ولَقَد أتَيتُم بِها خَرقاءَ[12] شَوهاءَ ، طِلاعَ‌[13] الأَرضِ وَالسَّماءِ . أفَعَجِبتُم أن قَطَرَتِ السَّماءُ دَماً ! « وَ لَعَذَابُ الْأَخِرَةِ أَخْزَى‌ » ، فَلا يَستَخِفَّنَّكُمُ المَهَلُ ، فَإِنَّهُ لا يُحَفِّزُهُ‌[14] البِدار[15] ، ولا يُخافُ عَلَيهِ فَوتُ الثّأرِ ، كَلّا «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ» .[16] قالَ : ثُمَّ سَكَتَت ، فَرَأَيتُ النّاسَ حَيارى‌ ، قَد رَدّوا أيدِيَهُم في أفواهِهِم ، ورَأَيتُ شَيخاً قَد بَكى‌ حَتَّى اخضَلَّت لِحيَتُهُ ، وهُوَ يَقولُ : كُهولُهُم خَيرُ الكُهولِ ونَسلُهُم‌إذا عُدَّ نَسلٌ لا يَخيبُ ولا يَخزى‌. الأمالي للمفيد : ص 321 الرقم 8 .

[1] الخَفَرُ : شِدَّةُ الحياء (الصحاح : ج 2 ص 649 «خفر») .
[2] خَتَلَهُ : خَدَعَهُ وَرَاوَغَهُ (النهاية : ج 2 ص 9 «ختل») .
[3] رقأت الدمعة : جفّت وانقطعت (لسان العرب : ج 1 ص 88 «رقأ») .
[4] النحل 16: 92 .
[5] الصلف : التمدّح بما ليس عندك (تاج العروس : ج 12 ص 327 «صلف») .
[6] النَطَفُ : التَلَطُّخ بالعيب ، وقد نَطِفَ الرجل : إذا اتُّهم بريبة (الصحاح : ج 4 ص 1434 «نطف») .
[7] الشَّنَفُ : البغض والتنكّر (الصحاح : ج 4 ص 1383 «شنف») .
[8] الشَّنَارُ : العيب والعار (الصحاح : ج 2 ص 704 «شنر») .
[9] تَرِبَ : خَسِرَ وافتقر . وتَرِبَت يَداه : لا أصابَ خيراً (القاموس المحيط : ج 1 ص 39 «ترب») .
[10] الفري : القطع (لسان العرب : ج 15 ص 153 «فرا») .
[11] مريم 19: 89 و90 .
[12] خرقاء : أي حمقاء جاهلة (النهاية : ج 2 ص 26 «خرق») .
[13] طلاع الأرض : ملؤها (الصحاح : ج 3 ص 1254 «طلع») .
[14] الحفز : الحثّ والإعجال (النهاية : ج 1 ص 407 «حَفز») .
[15] بَدَرْتُ إلى الشي‌ء : أسرعت إليه (الصحاح : ج 2 ص 586 «بدر») .
[16] الفجر 89: 14 .

بلاغات النساء :
2- عن جعفر بن محمد [الصادق‌] عن آبائه عليهم السلام : لَمّا اُدخِلَ بِالنِّسوَةِ مِن كَربَلاءَ إلَى الكوفَةِ ، كانَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ عليه السلام ضَئيلاً قَد نَهَكَتهُ العِلَّةُ ، ورَأَيتُ نِساءَ أهلِ الكوفَةِ مُشَقَّقاتِ الجُيوبِ عَلَى الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ عليه السلام ، فَرَفَعَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ عليه السلام رَأسَهُ فَقالَ : ألا إنَّ هؤُلاءِ يَبكينَ ، فَمَن قَتَلَنا ؟ ورَأَيتُ اُمَّ كُلثومٍ عليها السلام ولَم أرَ خَفِرَةً وَاللَّهِ أنطَقَ مِنها ، كَأَنَّما تَنطِقُ وتُفرِغُ عَلى‌ لِسانِ أميرِ المُؤمِنينَ عليه السلام ، وقَد أومَأَت إلَى النّاسِ أنِ اسكُتوا . فَلَمّا سَكَنَتِ الأَنفاسُ ، وهَدَأَتِ الأَجراسُ ، قالَت : أبدَأُ بِحَمدِ اللَّهِ وَالصَّلاةِ وَالسَّلامِ عَلى‌ نَبِيِّهِ ، أمّا بَعدُ يا أهلَ الكوفَةِ ، يا أهلَ الخَترِ[1] وَالخَذلِ ، ألا فَلا رَقَأَتِ العَبرَةُ ، ولا هَدَأَتِ الرَّنَّةُ ، إنَّما مثَلُكُم كَمَثَلِ «كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ» .[2] ألا وهَل فيكُم إلَّا الصَّلَفُ وَالشَّنَفُ ، ومَلَقُ الإِماءِ ، وغَمَزُ الأَعداءِ ؟ وهَل أنتُم إلّا كَمَرعى‌ عَلى‌ دِمنَةٍ ، وكَفِضَّةٍ عَلى‌ مَلحودَةٍ ، ألا ساءَ ما قَدَّمَت أنفُسُكُم أن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيكُم ، وفِي العَذابِ أنتُم خالِدونَ . أتَبكونَ ؟ إي وَاللَّهِ فَابكوا ! وإنَّكُم وَاللَّهِ أحرِياءُ بِالبُكاءِ ، فَابكوا كَثيراً وَاضحَكوا قَليلاً ، فَلَقَد

فُزتُم بِعارِها وشَنارِها، ولَن تَرحُضوها بِغَسلٍ بَعدَها أبَدا، وأنّى‌ تَرحُضونَ قَتلَ سَليلِ خاتَمِ النُّبُوَّةِ ومَعدِنِ الرِّسالَةِ ، وسَيِّدِ شُبّانِ أهلِ الجَنَّةِ ، ومَنارِ مَحَجَّتِكُم ، ومَدَرَةِ حُجَّتِكُم ، ومَفرَخِ نازِلَتِكُم ، فَتَعساً ونُكساً ، لَقَد خابَ السَّعيُ وخَسِرَتِ الصَّفقَةُ ، وبُؤتُم بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ، وضُرِبَت عَلَيكُمُ الذِّلَّةُ وَالمَسكَنَةُ «لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَ تُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا » .[3] أتَدرونَ أيَّ كَبِدٍ لِرَسولِ اللَّهِ فَرَيتُم ؟ وأيَّ كَريمَةٍ لَهُ أبرَزتُم ؟ وأيَّ دَمٍ لَهُ سَفَكتُم ؟ لَقَد جِئتُم بِها شَوهاءَ خَرقاءَ ، شَرُّها طِلاعُ الأَرضِ وَالسَّماءِ ، أفَعَجِبتُم أن قَطَرَتِ السَّماءُ دَماً ؟ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أخزى‌ وهُم لا يُنظَرونَ ، فَلا يَستَخِفَّنَّكُمُ المَهَلُ فَإِنَّهُ لا تَحفِزُهُ المُبادَرَةُ ، ولا يُخافُ عَلَيهِ فَوتُ الثَّأرِ ، كَلّا إنَّ رَبَّكَ لَنا ولَهُم لَبِالمِرصادِ . ثُمَّ وَلَّت عَنهُم . قالَ : فَرَأَيتُ النّاسَ حَيارى‌ وقَد رَدّوا أيدِيَهُم إلى‌ أفواهِهِم ، ورَأَيتُ شَيخاً كَبيراً مِن بَني جُعفِيٍّ ، وقَدِ اخضَلَّت لِحَيتُهُ مِن دُموعِ عَينَيهِ ، وهُوَ يَقولُ : كُهولُهُم خَيرُ الكُهولِ ونَسلُهُم‌إذا عُدَّ نَسلٌ لا يَبورُ ولا يَخزى‌.
بلاغات النساء : ص 37 عن يحيى بن الحجّاج .

[1] الخَتْرُ : الغَدْرُ (الصحاح : ج 2 ص 642 «ختر») .
[2] اقتباس من الآية 92 من سورة النحل .
[3] مريم 19: 89 - 90 .

خطبة أم كلثوم بعد مقتل الحسين عليه السلام في الكوفة

خُطبَةُ اُمِّ كُلثومٍ في أهلِ الكوفَةِ 

الملهوف:
 عن زيد بن موسى : حَدَّثَني أبي عَن جَدِّي [الصّادِقِ‌] عليهما السلام : خَطَبَت اُمُّ كُلثومٍ ابنَةُ عَلِيٍّ عليه السلام في ذلِكَ اليَومِ مِن وَراءِ كِلَّتِها ، رافِعَةً صَوتَها بِالبُكاءِ ، فَقالَت : يا أهلَ الكوفَةِ ، سوءاً لَكُم ، ما لَكُم خَذَلتُم حُسَيناً وقَتَلتُموهُ ، وَانتَهَبتُم أموالَهُ ووَرِثتُموهُ ، وسَبَيتُم نِساءَهُ ونَكَبتُموهُ ؟ ! فَتَبّاً لَكُم وسُحقاً . وَيلَكُم ، أتَدرونَ أيُّ دَواهٍ دَهَتكُم ؟ وأيَّ وِزرٍ عَلى‌ ظُهورِكُم حَمَلتُم ؟ وأيَّ دِماءٍ سَفَكتُموها ؟ وأيَّ كَريمَةٍ اهتَضَمتُموها[1] ؟ وأيَّ صِبيَةٍ سَلَبتُموها ؟ وأيَّ أموالٍ نَهبَتُموها ؟ قَتَلتُم خَيرَ رِجالاتٍ بَعدَ النَّبِيِّ صلى اللَّه عليه وآله ، ونُزِعَتِ الرَّحمَةُ مِن قُلوبِكُم ، ألا إنَّ حِزبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبونَ ، وحِزبَ الشَّيطانِ هُمُ الخاسِرونَ . ثُمَّ قالَت : قَتَلتُم أخي صَبراً فَوَيلٌ لِاُمِّكُمُ‌سَتُجزَونَ ناراً حَرُّها يَتَوَقَّدُ
سَفَكتُم دِماءً حَرَّمَ اللَّهُ سَفكَها
وحَرَّمَهَا القُرآنُ ثُمَّ مُحَمَّدُ

ألا فَابشِروا بِالنّارِ إنَّكُم غَداً
لَفي قَعرِ نارٍ حَرُّها يَتَصَعَّدُ

عَلى‌ خَيرِ مَن بَعدَ النَّبِيِّ سَيولَدُ
عَلَى الخَدِّ مِنّي دائِبٌ لَيسَ يُحمَدُ[2]

قالَ الرّاوي :
 فَضَجَّ النّاسُ بِالبُكاءِ وَالنَّحيبِ وَالنَّوحِ ، ونَشَرَ النِّساءُ شُعورَهُنَّ ، وحَثَينَ التُّرابَ عَلى‌ رُؤوسِهِنَّ ، وخَمَشنَ‌[3] وُجوهَهُنَّ ، ولَطَمنَ خُدودَهُنَّ ، ودَعَونَ بِالوَيلِ وَالثُّبورِ ، وبَكَى الرِّجالُ ونَتَفوا لِحاهُم ، فَلَم يُرَ باكِيَةٌ وباكٍ أكثَرَ مِن ذلِكَ اليَومِ . الملهوف : ص 198 .

[1] هضَمَهُ : دفَعَهُ عن موضعه ، وقيل : كسَرَهُ ، وهَضَمَهُ حقّه : نقصه (المصباح المنير : ص 638 «هضم») .
[2] في بحار الأنوار : «ذائباً ليس يجمد» بدل «دائب ليس يحمد» .
[3] في المصدر : «وخمش» ، والتصويب من بحار الأنوار .

خطبة فاطمة الصغرى بعد مقتل الحسين عليه السلام في الكوفة

خُطبَةُ فاطِمَةَ الصُّغرى‌ في أهلِ الكوفَةِ[1]

حَدَّثَني أبي عَن جَدِّي [الصّادِقِ ]عليه السلام : خَطَبَت فاطِمَةُ الصُّغرى‌ بَعدَ أن وَرَدَت مِن كَربَلاءَ ، فَقالَت : الحَمدُ للَّهِ‌ِ عَدَدَ الرَّملِ وَالحَصى‌ ، وزِنَةَ العَرشِ إلَى الثَّرى‌ ، أحمَدُهُ واُؤمِنُ بِهِ وأتَوَكَّلُ عَلَيهِ ، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ ، وأنَّ مُحَمَّداً صلى اللَّه عليه وآله عَبدُهُ ورَسولُهُ ، وأنَّ ذُرِّيَّتَهُ ذُبِحوا بِشَطِّ الفُراتِ بِغَيرِ ذَحلٍ‌[2] ولا تِراتٍ .[3]

اللَّهُمَّ إنّي أعوذُ بِكَ أن أفتَرِيَ عَلَيكَ الكَذِبَ ، وأن أقولَ عَلَيكَ خِلافَ ما أنزَلتَ مِن أخذِ العُهودِ لِوَصِيَّةِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ عليه السلام ، المَسلوبِ حَقُّهُ ، المَقتولِ بِغَيرِ ذَنبٍ - كَما قُتِلَ وَلَدُهُ بِالأَمسِ - في بَيتٍ مِن بُيوتِ اللَّهِ ، فيهِ مَعشَرٌ مُسلِمَةٌ بِأَلسِنَتِهِم . تَعساً لِرُؤوسِهِم ، ما دَفَعَت عَنهُ ضَيماً[4] في حَياتِهِ ولا عِندَ مَماتِهِ ، حَتّى‌ قَبَضتَهُ إلَيكَ مَحمودَ النَّقيبَةِ[5] ، طَيِّبَ العَريكَةِ[6] ، مَعروفَ المَناقِبِ ، مَشهورَ المَذاهِبِ ، لَم تَأخُذهُ اللَّهُمَّ فيكَ لَومَةُ لائِمٍ ولا عَذلُ عَاذِلٍ . هَدَيتَهُ يا رَبِّ لِلإِسلامِ صَغيراً ، وحَمِدتَ مَناقِبَهُ كَبيراً ، ولَم يَزَل ناصِحاً لَكَ ولِرَسولِكَ صَلَواتُكَ عَلَيهِ وآلِهِ حَتّى‌ قَبَضتَهُ إلَيكَ ، زاهِداً فِي الدُّنيا ، غَيرَ حَريصٍ عَلَيها ، راغِباً فِي الآخِرَةِ ، مُجاهِداً لَكَ في سَبيلِكَ ، رَضيتَهُ فَاختَرتَهُ وهَدَيتَهُ إلى‌ صِراطٍ مُستَقيمٍ . أمّا بَعدُ ، يا أهلَ الكوفَةِ ! يا أهلَ المَكرِ وَالغَدرِ وَالخُيَلاءِ[7] ! فَإِنّا أهلُ بَيتٍ ابتَلانَا اللَّهُ بِكُم وَابتَلاكُم بِنا ، فَجَعَلَ بَلاءَنا حَسَناً ، وجَعَلَ عِلمَهُ عِندَنا وفَهمَهُ لَدَينا ، فَنَحنُ عَيبَةُ[8] عِلمِهِ ، ووِعاءُ فَهمِهِ وحِكمَتِهِ ، وحُجَّتُهُ عَلى‌ أهلِ الأَرضِ في بِلادِهِ لِعِبادِهِ ، أكرَمَنَا اللَّهُ بِكَرامَتِهِ ، وفَضَّلَنا بِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى اللَّه عليه وآله عَلى‌ كَثيرٍ مِمَّن خَلَقَ تَفضيلاً بَيِّناً . فَكَذَّبتُمونا وكَفَّرتُمونا ، ورَأَيتُم قِتالَنا حَلالاً وأموالَنا نَهباً ! كَأَنَّنا أولادُ تُركٍ أو كابُلٍ‌[9] ، كَما قَتَلتُم جَدَّنا بِالأَمسِ ، وسُيوفُكُم تَقَطَّرُ مِن دِمائِنا أهلَ البَيتِ ، لِحِقدٍ مُتَقَدِّمٍ ، قَرَّت لِذلِكَ عُيونُكُم ، وفَرِحَت قُلوبُكُم ، افتِراءً عَلَى اللَّهِ ومَكراً مَكَرتُم ، «وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ» .[10] فَلا تَدعُوَنَّكُم أنفُسُكُم إلَى الجَذَلِ‌[11] بِما أصَبتُم مِن دِمائِنا ، ونالَت أيديكُم مِن أموالِنا ، فَإِنَّ ما

أصابَنا مِنَ المَصائِبِ الجَليلَةِ وَالرَّزايَا العَظيمَةِ «فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ *لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ» .[12] تَبّاً لَكُم ، فَانتَظِرُوا اللَّعنَةَ وَالعَذابَ ، فَكَأَن قَد حَلَّ بِكُم ، وتَواتَرَت مِنَ السَّماءِ نَقِماتٌ ، فَيُسحِتُكُم بِعَذابٍ ويُذيقُ بَعضَكُم بَأسَ بَعضٍ ، ثُمَّ تُخَلَّدونَ فِي العَذابِ الأَليمِ يَومَ القِيامَةِ بِما ظَلَمتُمونا ، «أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ»[13] . وَيلَكُم ، أتَدرونَ أيَّةَ يَدٍ طاعَنَتنا مِنكُم ؟ ! وأيَّةَ نَفسٍ نَزَعَت إلى‌ قِتالنا ؟ ! أم بِأَيَّةِ رِجلٍ مَشَيتُم إلَينا تَبغونَ مُحارَبَتَنا ؟ ! قَسَت وَاللَّهِ قُلوبُكُم ، وغَلُظَت أكبادُكُم ، وطُبِعَ عَلى‌ أفئِدَتِكُم ، وخُتِمَ عَلى‌ أسماعِكُم وأبصارِكُم ، وسَوَّلَ لَكُمُ الشَّيطانُ وأملى‌ لَكُم ، وجَعَلَ عَلى‌ بَصَرِكُم غِشاوَةً فَأَنتُم لا تَهتَدونَ . فَتَبّاً لَكُم يا أهلَ الكوفَةِ ، أيُّ تِراتٍ لِرَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله قِبَلَكُم ، وذُحولٍ لَهُ لَدَيكُم ، بِما عَنِدتُم بِأَخيهِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ عليه السلام جَدّي ، وبَنيهِ وعِترَةِ النَّبِيِّ الأَخيارِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيهِم ، وَافتَخَرَ بِذلِكَ مُفتَخِرُكُم فَقالَ : نَحنُ قَتَلنا عَلِيّاً وبَني عَلِيّ‌بِسُيوفٍ هِندِيَّةِ ورِماحِ‌

بِفيكَ أيُّهَا القائِلُ الكَثكَثُ‌[14] وَالأَثلَبُ ، افتَخَرتَ بِقَتلِ قَومٍ زَكّاهُمُ اللَّهُ وأذهَبَ عَنهُمُ الرِّجسَ وطَهَّرَهُم تَطهيراً ! فَاكظِم وأقعِ كَما أقعى‌[15] أبوكَ ، فَإِنَّما لِكُلِّ امرِئٍ مَا اكتَسَبَ وما قَدَّمَت يَداهُ . أحَسَدتُمونا - وَيلاً لَكُم - عَلى‌ ما فَضَّلَنَا اللَّهُ ؟ فَما ذَنبُنا أن جاشَ دَهراً بُحورُناوبَحرُكَ ساجٍ‌[16] لا يُواري الدَّعامِصا[17]

«ذَ لِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ »[18] ، «وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ  » .[19] قالَ : وَارتَفَعَتِ الأَصواتُ بِالبُكاءِ ، وقالوا : حَسبُكِ يابنَةَ الطَّيِّبينَ ، فَقَد أحرَقتِ قُلوبَنا ، وأنضَجتِ نُحورَنا ، وأضرَمتِ أجوافَنا . فَسَكَتَت .
الملهوف : ص 194 .

[1] زيد بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين عليهم السلام العلوي الطالبي ، يلقّب بزيد النار ، ثائر ، خرج في العراق مع أبي السرايا ، توفّي حوالي سنة 250 ه (راجع : الأعلام للزركلي : ج 3 ص 61) .

[2] الذَّحْل : الثأر ، وقيل : طلب مكافأة بجناية جُنيت عليك أو عداوة اُتيت إليك ، يقال : طلب بذَحلِهِ ؛ أي بثأره (لسان العرب : ج 11 ص 256 «ذحل») .
[3] الوَِتر وَالتِّرَة : الظلم في الذَّحل ، وقيل : هو الذَّحل عامّة . وكلّ من أدركته بمكروه فقد وتَرتَه (لسان العرب : ج 5 ص 274 «وتر») .
[4] ضامَهُ حَقَّهُ ضَيماً : نَقَصهُ إيّاه (لسان العرب : ج‌12 ص‌352 «ضيم») .
[5] النَّقِيْبَةُ : النّفْسُ ، وقيل : الطبيعة والخليقة (النهاية : ج 5 ص 102 «نقب») .
[6] العَرِيْكَةُ : الطبيعة (الصحاح : ج 4 ص 1599 «عرك») .
[7] الخيلاء - بالضمّ والكسر - : الكبر والعجب (لسان العرب : ج 11 ص 228 «خول») .
[8] العيبة : الوعاء (راجع : لسان العرب : ج 1 ص 634 «عيب») .
[9] لم يكن التُّرك والأفاغنة عندئذٍ من المسلمين ، بل كانوا أعداءَ الحكومة الإسلامية .
[10] آل عمران 3: 54 .
[11] الجذل - بالتحريك - : الفرح (الصحاح : ج 4 ص 654 «جذل») .
[12] الحديد 57: 22 - 23 .
[13] هود 11: 18 .
[14] الكَثْكَثُ والكِثْكِثُ : فُتات الحجارة والتراب ، مثل الأثْلَبُ والإثْلِبُ (الصحاح : ج 1 ص 290 «كثث») .
[15] أقْعى‌ : ألْصَقَ إلْيَتَيْهِ بالأرض ، ونصب ساقيه ، ووضع يديه على الأرض (المصباح المنير : ص 510 «قعي») .
[16] سَاجٍ : أي ساكن (النهاية : ج 2 ص 345 «سجا») .
[17] الدَّعاميصُ : جمع دعموص ؛ وهي دويبّة تكون في مستنقع الماء (النهاية : ج 2 ص 120 «دعمص») .
[18] الحديد 57: 21 .
[19] النور 24: 40 .

استحباب تولّي أذان الأعلام ، والمداومة عليه

  استحباب تولّي أذان الأعلام ، والمداومة عليه ، ورفع الصوت به ، واكرام المؤذّنين ، وحسن الظنّ بهم 

1ن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جده علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) ، قال : قلنا : يا رسول الله انّك رغّبتنا في الأذان ، حتى [1] خفنا ان تضطرب عليه أمتك بالسيوف ، فقال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) : « اما انه لن يعدو ضعفاءكم ». الجعفريات ص 245. [1] في المصدر زيادة : قد.

2 ـ دعائم الإِسلام : قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) : « يحشر المؤذّنون يوم القيامة أطول الناس أعناقا ، ينادون بشهادة أن لا إله إلّا الله » ومعنى قوله أطول الناس أعناقا : اي لاستشرافهم وتطاولهم إلى رحمة ربّهم [1] ، على خلاف من وصف الله سوء حاله ، فقال : ( وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ  ) [2].دعائم الإِسلام ج 1 ص 144. [1] في المصدر : رحمة الله. [2] السجدة 32 : 12. 

 ـ وعنه ( صلّى الله عليه وآله ) : انه رغب الناس وحضّهم على الأذان ، وذكر لهم فضائله ، فقال بعضهم يا رسول الله لقد رغّبتنا في الأذان ، حتى أنّا لنخاف ان تتضارب عليه أمتك بالسيوف ، فقال : « اما انه لن يعدو ضعفاءكم ».دعائم الإِسلام ج 1 ص 144.

4 ـ وروينا عن جعفر بن محمّد ، عن آبائه ، عن علي ( عليهم السلام ) قال : « قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) : ثلاثة لو تعلم أمتي ما [ لها ] [1] فيها لضربت عليها بالسهام : الأذان ، والغدوّ إلى الجمعة ، والصف الأول ».دعائم الإِسلام ج 1 ص 144. 

[1] أثبتناه من المصدر.

5 ـ الشيخ في المبسوط : عن النبي ( صلّى الله عليه وآله ) أنه قال : « لو يعلم الناس ما في الأذان ، والصف الأول ، ثم لم يجدوا الّا ان يستهموا عليه ، لفعلوا ». المبسوط ج 1 ص 98.

6 ـ القطب الراوندي في لبّ اللباب : عن النبي ( صلّى الله عليه وآله ) قال : « ان المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة ، ولا يعذّب في القبر من اذّن سبع سنين ». لبّ اللباب : مخطوط. 

7 ـ ابن أبي جمهور في درر اللآلي : عن النبي ( صلّى الله عليه وآله ) قال : « يكتب للمؤذّن عند أذانه أربعون ومائة حسنة ، وعند الإقامة عشرون ومائة حسنة ».درر اللآلي ج 1 ص 9.

8 ـ وعنه ( صلّى الله عليه وآله ) قال : « من اذّن اثني عشرة سنة ، وجبت له الجنّة ، وكتب له بتأذينه في كلّ مرة ستون حسنة ، وبكلّ إقامة ثلاثون حسنة ».درر اللآلي ج 1 ص 9.

9 ـ وعنه ( صلّى الله عليه وآله ) قال : « ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة : رجل قرأ كتاب الله وأمّ لله قوما وهم به راضون ، ورجل دعا إلى هذه الصلوات الخمس في الليل والنهار ، لا يريد به الّا وجه الله تعالى والدار الآخرة ، ومملوك لم يشغله رقّ الدنيا عن طاعة ربّه ( بعد فراغه ) [1] ».درر اللآلي ج 1 ص 10.[1] ليس في المصدر.

10 - قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) : « ثلاثة لا يبالون بالحساب ، ولا يخافون الصيحة والفزع الأكبر : رجل تعلّم القرآن ، وحفظه ، وعمل به ، فإنه يأتي الله تعالى سيّدا شريفا ، ومؤذن اذّن سبع سنين ، لم يطمع في أذانه اجرا ، وعبد أطاع الله ، وأطاع سيّده ».

11 ـ  قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) : « من اذن لوجه الله سبع سنين ، كتب الله له براءة من النار ». 

12 - عنه ( صلّى الله عليه وآله ) قال : « من اذّن لوجه الله عن نيّة صادقة سنة ، أوقفوه يوم القيامة على باب الجنّة ، وقالوا له : اشفع لمن شئت ». 

13 -  قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) : « من نادى للصلاة في أوقاتها الخمسة ، مؤمنا ، محتسبا ، غفر الله له ما تقدم من ذنبه ، وما تأخر ». 

14 -  قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) :« ان المؤذّن في سبيل الله ما دام في أذانه ، كشهيد يتقلّب في دمه ، ويشهد له بذلك كل رطب ويابس بلغه صوته ، وإذا مات ما تعرّضته هوام الأرض في قبره ». 

 وقال ( صلّى الله عليه وآله ) : « المؤذنون أطول الناس أعناقا يوم القيامة ». 

15 - وفي خبر قال رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) : « إذا كان يوم القيامة ، ينادي المنادي : أين أضياف الله؟ فيؤتى بالصائمين ، وينادي : أين رعاة الشمس والقمر؟ فيؤتى بالمؤذنين ، فيحملون على نجب من نور وعلى رؤوسهم تاج الكرامة ، ويذهب بهم إلى الجنة ». 

16 ـ وعن جابر بن عبد الله ، عن رسول الله ( صلّى الله عليه وآله ) ، قال : سمعته يقول : « اللّهم اغفر للمؤذنين » ثلاثا ، فقلت له : يا رسول الله انا نضرب بالسيف على الأذان ، وما دعوت لنا كما تدعو للمؤذنين ، فقال : « يا جابر اعلم أنه سيأتي زمان على الناس ، يكلون الأذان إلى الضعفاء ، وان لحوما محرمة على النار ، وهي لحوم المؤذنين ». مستدرك الوسائل : ج4 ص 21 -22رقم الحديث 10- 11- 12- 13- 14- 15 -16.

17 ـ الشيخ المفيد في الإختصاص : حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، قال : حدثنا الحسين بن مهران ، قال حدثني الحسين بن عبد الله ، عن أبيه ، عن جده ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن جده الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) قال : « جاء رجل من اليهود إلى النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ـ إلى أن قال : قال ـ : يا محمّد فأخبرني عن العاشر ، سبعة [1] خصال التي [2] أعطاك الله من بين النبيين ، وأعطى أمتك من بين الأمم ، فقال النبي ( صلّى الله عليه وآله ) : فاتحة الكتاب ، والأذان ، والإقامة ، والجماعة في مساجد المسلمين ، ويوم الجمعة ، والاجهار في ثلاث [3] ، ورخصة لامتي عند الأمراض والسفر ، والصلاة على الجنائز ، والشفاعة في أصحاب الكبائر من أمتي.

 قال : صدقت يا محمّد ، فما ثواب من قرأ فاتحة الكتاب؟ فقال النبيّ ( صلّى الله عليه وآله ) : من قرأ فاتحة الكتاب أعطاه الله من الأجر بعدد كل ّكتاب نزل من السماء ، ( قرائها وثوابها ) [4] ، واما الأذان فيحشر المؤذنون من أمتي مع النبيّين والصديقين والشهداء » ، الخبر. الاختصاص ص 39.

[1] في الاختصاص فقط : تسعة. [2] التي : ليس في المصدر. [3] وفيه زيادة : صلوات [4] في الأمالي والخصال والبحار : ويجزي بها ثوابها.

ثواب المؤذنين

 ثواب المؤذنين

وروي عن عبد الله بن علي قال : « حملت متاعي من البصرة إلى مصر فقدمتها فبينما أنا في بعض الطريق إذا أنا بشيخ طويل شديد الأدمة أبيض الرأس واللحية ، عليه طمران أحدهما أسود والآخر أبيض ، فقلت : من هذا؟ فقالوا : هذا بلال مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخذت ألواحا فأتيته فسلمت عليه فقلت له : السلام عليك أيها الشيخ ، فقال : وعليك السلام ، قلت : يرحمك الله تعالى حدثني بما سمعت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : وما يدريك من أنا؟ فقلت : أنت بلال مؤذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : فبكى وبكيت حتى اجتمع الناس علينا ونحن نبكي ، قال : ثم قال : يا غلام من أي البلاد أنت؟ قلت : من أهل العراق قال : بخ بخ  ، ثم سكت ساعة ، ثم قال : اكتب يا أخا أهل العراق » بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : المؤذنون أمناء المؤمنين على صلواتهم وصومهم ولحومهم ودمائهم  ،
لا يسألون الله عزوجل شيئا إلا أعطاهم ، ولا يشفعون في شئ إلا شفعوا.

قلت : زدني يرحمك الله. قال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم « سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من أذن أربعين عاما محتسبا بعثه الله عزوجل يوم القيامة وله عمل أربعين صديقا عملا مبرورا متقبلا ».

قلت : زدني يرحمك الله ، قال : أكتب بسم الله الرحمن الرحيم « سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : من أذن عشرين عاما بعثه الله عزوجل يوم القيامة وله من النور مثل زنة السماء ».

قلت : زدني يرحمك الله ، قال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم « سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من أذن عشر سنين أسكنه الله عزوجل مع إبراهيم الخليل عليه‌السلام في قبته ، أو في درجته ».

قلت : زدني يرحمك الله عزوجل ، قال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم « سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من أذن سنة واحدة بعثه الله عزوجل يوم القيامة وقد غفرت ذنوبه كلها بالغة ما بلغت ولو كانت مثل زنة جبل أحد ».

قلت : زدني يرحمك الله قال : نعم فاحفظ واعمل واحتسب « سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من أذن في سبيل الله صلاة واحدة إيمانا واحتسابا وتقربا إلى الله عزوجل غفر الله له ما سلف من ذنوبه ومن عليه بالعصمة فيما بقي من عمره ، وجمع بينه وبين الشهداء في الجنة ».

قلت : زدني يرحمك الله حدثني بأحسن ما سمعت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : ويحك يا غلام قطعت أنياط  قلبي ، وبكي وبكيت حتى أني والله لرحمته ، ثم قال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم « سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إذا كان يوم القيامة وجمع الله عزوجل الناس في صعيد واحد بعث الله عزوجل إلى المؤذنين بملائكة من نور ومعهم ألوية وأعلام من نور  يقودون جنائب  أزمتها زبرجد أخضر ، وحقايبها المسك الأذفر يركبها المؤذنون فيقومون عليها قياما تقودهم الملائكة ينادون بأعلا صوتهم بالاذان ، ثم بكى بكاء شديدا حتى انتحبت  وبكيت فلما سكت قلت : ممن بكاؤك؟ فقال : ويحك ذكرتني أشياء سمعت حبيبي وصفيي عليه‌السلام يقول : « والذي بعثي بالحق نبيا إنهم ليمرون على الخلق قياما على النجائب.

فيقولون : « الله أكبر ، الله أكبر » فإذا قالوا ذلك سمعت لامتي ضجيجا ، فسأله أسامة ابن زيد عن ذلك الضجيج ما هو؟ قال : الضجيج التسبيح والتحميد والتهليل ، فإذا قالوا : « أشهد أن لا إله إلا الله » قالت أمتي : نعم إياه كنا نعبد في الدنيا ، فيقال : صدقتم ، فإذا قالوا : « أشهد أن محمدا رسول الله » قالت أمتي : هذا الذي أتانا برسالة ربنا جل جلاله وآمنا به ولم نره ، فيقال لهم : صدقتم هذا الذي أدى إليكم الرسالة من ربكم وكنتم به مؤمنين ، فحقيق على الله عزوجل أن يجمع بينكم وبين نبيكم ، فينتهي بهم إلى منازلهم ، وفيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ثم نظر إلي فقال : إن استطعت ـ ولا قوة إلا بالله ـ أن لا تموت إلا وأنت مؤذن فافعل ، فقلت : يرحمك الله تفضل علي وأخبرني فإني فقير محتاج وأد إلي ما سمعت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فإنك قد رأيته ولم أره ، وصف لي كيف وصف لك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بناء الجنة؟ فقال : أكتب بسم الله الرحمن الرحيم « سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إن سور الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة ولبنة من ياقوت وملاطها  المسك الأذفر ، وشرفها الياقوت الأحمر والأخضر والأصفر ، قلت : فما أبوابها؟ قال : إن أبوابها مختلفة باب الرحمة من ياقوتة حمراء ، قلت : فما حلقته؟ فقال : و كف عني فقد كلفتني شططا قلت : ما أنا بكاف عنك حتى تؤدي إلي ما سمعت من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

قال : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم » أما باب الصبر فباب صغير ، مصراع واحد من ياقوتة حمراء لا حلق له ، وأما باب الشكر فإنه من ياقوتة بيضاء لها مصراعان مسيرة ما بينهما مسيرة خمسمائة عام ، له ضجيج وحنين يقول : « اللهم جئني بأهلي » قال : قلت : هل يتكلم الباب قال : نعم ينطقه الله ذو الجلال والاكرام ، وأما باب البلاء قلت : أليس باب البلاء هو باب الصبر؟ قال : لا ، قلت : فما البلاء؟ قال : المصائب والسقام والأمراض والجذام وهو باب من ياقوتة صفراء مصراع واحد ، ما أقل من يدخل فيه.

قلت : يرحمك الله زدني وتفضل علي فإني فقير ، فقال : يا غلام لقد كلفتني شططا ، أما الباب الأعظم فيدخل منه العباد الصالحون ، وهم أهل الزهد والورع و الراغبون إلى الله عزوجل المستأنسون به ، قلت : يرحمك الله فإذا دخلوا الجنة فماذا يصنعون؟ قال : يسيرون على نهرين في ماء صاف في سفن الياقوت ، مجاذيفها  اللؤلؤ ، فيها ملائكة من نور ، عليهم ثياب خضر شديدة خضرتها.

قلت : يرحمك الله هل يكون من النور أخضر ، قال : إن الثياب هي خضر ولكن فيها نور من نور رب العالمين جل جلاله ليسيروا على حافتي ذلك النهر ، قلت : فما اسم ذلك النهر؟ قال : جنة المأوى ، قلت : هل وسطها غيرها؟ قال : نعم جنة عدن وهي في وسط الجنان ، وأما جنة عدن فسورها ياقوت أحمر وحصاها اللؤلؤ ، فقلت : وهل فيها غيرها؟ قال : نعم جنة الفردوس ، قلت : فكيف سورها؟ قال : ويحك كف عني جرحت علي قلبي  ، قلت : بل أنت الفاعل بي ذلك ، قلت : ما أنا بكاف عنك حتى تتم لي الصفة وتخبرني عن سورها ، قال : سورها نور ، قلت : ما الغرف التي فيها؟ قال : هي من نور رب العالمين عزوجل.

قلت : زدني يرحمك الله ، قال : ويحك إلى هذا إنتهى بي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله طوبى لك إن أنت وصلت إلى ماله هذه الصفة ، وطوبى لمن يؤمن بهذا ، قلت : يرحمك الله أنا والله من المؤمنين بهذا. قال : ويحك إنه من يؤمن بهذا أو يصدق بهذا الحق والمنهاج لم يرغب في الدنيا ولا في زينتها وحاسب نفسه بنفسه ، قلت : أنا مؤمن بهذا قال : صدقت ولكن قارب وسدد ولا تيأس ، واعمل ولا تفرط ، وارج وخف و احذر .

ثم بكى وشهق ثلاث شهقات فظننا أنه قد مات ، ثم قال : فداكم أبى وأمي لو رآكم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله لقرت عينه حين تسألون عن هذه الصفة ، ثم قال : النجاء النجاء الوحا الوحا  الرحيل الرحيل ، العمل العمل ، وإياكم والتفريط ، وإياكم والتفريط ، ثم قال : ويحكم اجعلوني في حل مما قد فرطت ، فقلت له : أنت في حل مما قد فرطت جزاك الله الجنة كما أديت وفعلت الذي يجب عليك ، ثم ودعني وقال : اتق الله وأد إلى أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ما أديت إليك. فقلت له : أفعل إن شاء الله ، قال : أستودع الله دينك وأمانتك وزودك التقوى وأعانك على طاعته بمشيئته ».

وقد أذن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فكان يقول : أشهد أني رسول الله وقد كان يقول فيه : أشهد أن محمدا رسول الله لان الاخبار قد وردت بهما جميعا.

وكان لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مؤذنان أحدهما بلال والآخر ابن أم مكتوم ، وكان ابن أم مكتوم أعمى ، وكان يؤذن قبل الصبح.
المصدر من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 292-297.

خطبة الإمام علي بن الحسين بعد مقتل ابيه الحسين عليهما السلام في الكوفة

خُطبَةُ الإِمامِ عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ عليه السلام في أهلِ الكوفَةِ الملهوف :  إنَّ  زَينَ العابِدينَ عليه السلام  أومَأَ إلَى النّاسِ ...