الثلاثاء، 9 يونيو 2026

مناظرة الكاظم (ع) وما جرى بينه وبين هارون الرشيد

مناظراته عليه السلام مع خلفاء عصره ، وما جرى  بينه وبينهم 

 1 - الاختصاص :  قال أبو الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام : لما أمر هارون الرشيد بحملي ، دخلت عليه فسلمت فلم يرد السلام ورأيته مغضبا ، فرمى إلي بطومار فقال : اقرأه فإذا فيه كلام ، قد علم الله عز وجل براءتي منه ، وفيه إن موسى بن جعفر يجبى إليه خراج الآفاق من غلاة الشيعة ممن يقول بإمامته ، يدينون الله بذلك ، ويزعمون أنه فرض عليهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ويزعمون أنه من لم يذهب إليه بالعشر ولم يصل بإمامتهم ، ولم يحج بإذنهم ، ويجاهد بأمرهم ، ويحمل الغنيمة إليهم ، ويفضل الأئمة على جميع الخلق ، ويفرض طاعتهم مثل طاعة الله وطاعة رسوله ، فهو كافر حلال ماله ، ودمه .

 وفيه كلام شناعة ، مثل المتعة بلا شهود ، واستحلال الفروج بأمره ، ولو بدرهم ، والبراءة من السلف ، ويلعنون عليهم في صلاتهم ، ويزعمون أن من لم يتبرأ منهم فقد بانت امرأته منه ، ومن أخر الوقت فلا صلاة له لقول الله تبارك وتعالى "  أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا " ( 1 ) يزعمون أنه واد في جهنم والكتاب طويل وأنا قائم أقرأ وهو ساكت ، فرفع رأسه وقال : اكتفيت بما قرأت فكلم بحجتك بما قرأته .( 1 ) سورة مريم الآية : 59 .

 قلت : يا أمير المؤمنين والذي بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالنبوة ما حمل إلي أحد درهما ولا دينارا من طريق الخراج لكنا معاشر آل أبي طالب نقبل الهدية التي أحلها الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله في قوله : لو أهدي لي كراع لقبلت ، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت ، وقد علم أمير المؤمنين ضيق ما نحن فيه ، وكثرة عدونا ، وما منعنا السلف من الخمس الذي نطق لنا به الكتاب ، فضاق بنا الامر ، وحرمت علينا الصدقة وعوضنا الله عز وجل عنها الخمس واضطررنا إلى قبول الهدية وكل ذلك مما علمه أمير المؤمنين فلما تم كلامي سكت .

 ثم قلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لابن عمه في حديث عن آبائه ، عن النبي صلى الله عليه وآله فكأنه اغتنمها ، فقال : مأذون لك ، هاته ! فقلت : حدثني أبي ، عن جدي يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله : أن الرحم إذا مست رحما تحركت واضطربت فان رأيت أن تناولني يدك ، فأشار بيده إلي . 

ثم قال : ادن ، فدنوت فصافحني وجذبني إلى نفسه مليا ثم فارقني وقد دمعت عيناه فقال لي : اجلس يا موسى ، فليس عليك بأس ، صدقت وصدق جدك وصدق النبي صلى الله عليه وآله لقد تحرك دمي ، واضطربت عروقي وأعلم أنك لحمي ودمي وأن الذي حدثتني به صحيح ، وإني أريد أن أسألك عن مسألة فان أجبتني ، أعلم أنك صدقتني خليت عنك ، ووصلتك ، ولم أصدق ما قيل فيك ، فقلت : ما كان علمه عندي أجبتك فيه .

 فقال : لم لا تنهون شيعتكم عن قولهم لكم يا ابن رسول الله وأنتم ولد علي وفاطمة إنما هي وعاء ، والولد ينسب إلى الأب لا إلى الأم ؟ فقلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من هذه المسألة فعل ؟ فقال : لست أفعل أو أجبت فقلت : فأنا في أمانك أن لا يصيبني من آفة السلطان شئ ؟ فقال : لك الأمان قلت : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ  " ( 1 ) فمن أبو عيسى ؟ فقال : ليس له أب إنما خلق من كلام الله عز وجل وروح القدس فقلت : إنما الحق عيسى بذراري الأنبياء من قبل مريم ، وألحقنا بذراري الأنبياء من قبل فاطمة لا من قبل علي عليه السلام فقال : أحسنت أحسنت يا موسى زدني من مثله .
( 1 ) سورة الأنعام الآية : 84 - 85 . 

 فقلت : اجتمعت الأمة برها وفاجرها أن حديث النجراني حين دعاه النبي صلى الله عليه وآله إلى المباهلة لم يكن في الكساء إلا النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فقال الله تبارك وتعالى "  فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ  " ( 2 ) فكان تأويل أبناءنا الحسن والحسين ، ونساءنا فاطمة ، وأنفسنا علي بن أبي طالب فقال : أحسنت . ( 2 ) سورة آل عمران الآية : 61 .

ثم قال : أخبرني عن قولكم : ليس للعم مع ولد الصلب ميراث ، فقلت : أسألك يا أمير المؤمنين بحق الله وبحق رسوله صلى الله عليه وآله أن تعفيني من تأويل هذه الآية وكشفها ، وهي عند العلماء مستورة فقال : إنك قد ضمنت لي أن تجيب فيما أسألك ولست أعفيك فقلت : فجدد لي الأمان فقال : قد أمنتك فقلت : إن النبي صلى الله عليه وآله لم يورث من قدر على الهجرة فلم يهاجر ، وإن عمي العباس قدر على الهجرة فلم يهاجر ، وإنما كان في عدد الأسارى عند النبي صلى الله عليه وآله ، وجحد أن يكون له الفداء فأنزل الله تبارك وتعالى على النبي صلى الله عليه وآله يخبره بدفين له من ذهب ، فبعث عليا عليه السلام فأخرجه من عند أم الفضل ، وأخبر العباس بما أخبره جبرئيل عن الله تبارك وتعالى فأذن لعلي وأعطاه علامة الذي دفن فيه ، فقال العباس عند ذلك : يا ابن أخي ما فاتني منك أكثر ، وأشهد أنك رسول رب العالمين .

 فلما أحضر علي الذهب فقال العباس : أفقرتني يا ابن أخي فأنزل الله تبارك وتعالى : " إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ" ( 1 ) وقوله : "  وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ" ( 2 ) ثم قال : "   وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ " ( 3 ) فرأيته قد اغتم .
( 1 ) سورة الأنفال الآية : 70 . ( 2 ) سورة الأنفال الآية : 72 . ( 3 ) سورة الأنفال الآية : 72 . 

 ثم قال : أخبرني من أين قلتم إن الانسان يدخله الفساد من قبل النساء لحال الخمس الذي لم يدفع إلى أهله ، فقلت : أخبرك يا أمير المؤمنين بشرط أن لا تكشف هذا الباب لاحد ما دمت حيا ، وعن قريب يفرق الله بيننا وبين من ظلمنا ، وهذه مسألة لم يسألها أحدا من السلاطين غير أمير المؤمنين قال : ولا تيم ولا عدي ولا بنو أمية ولا أحد من آبائنا ؟ قلت : ما سئلت ولا سئل أبو عبد الله جعفر ابن محمد عنها قال : فإن بلغني عنك أو عن أحد من أهل بيتك كشف ما أخبرتني به رجعت عما آمنتك فقلت : لك على ذلك .

 فقال : أحببت أن تكتب لي كلاما موجزا له أصول وفروع ، يفهم تفسيره و يكون ذلك سماعك من أبي عبد الله عليه السلام فقلت : نعم وعلى عيني يا أمير المؤمنين قال : فإذا فرغت فارفع حوائجك ، وقام ، ووكل بي من يحفظني ، وبعث إلي في كل يوم بمائة سرية فكتبت : 
بسم الله الرحمن الرحيم أمور الدنيا أمران : أمر لا اختلاف فيه ، وهو إجماع الأمة على الضرورة التي يضطرون إليها والاخبار المجتمع عليها المعروض عليها شبهة ، والمستنبط منها كل حادثة ، وأمر يحتمل الشك والانكار ، وسبيل استنصاح أهله الحجة عليه ، فما ثبت لمنتحليه من كتاب مستجمع على تأويله ، أو سنة عن النبي صلى الله عليه وآله لا اختلاف فيها ، أو قياس تعرف العقول عدله ، ضاق على من استوضح تلك الحجة ردها ، ووجب عليه قبولها ، والاقرار والديانة بها ، وما لم يثبت لمنتحليه به حجة من كتاب مستجمع على تأويله ، أو سنة عن النبي صلى الله عليه وآله لا اختلاف فيها ، أو قياس تعرف العقول عدله ، وسع خاص الأمة وعامها الشك فيه ، والانكار له ، كذلك ، هذان الأمران من أمر التوحيد فما دونه ، إلى أرش الخدش فما دونه فهذا المعروض الذي يعرض عليه أمر الدين فما ثبت لك برهانه اصطفيته ، وما غمض عنك ضوؤه نفيته ، ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ، ونعم الوكيل .

 فأخبرت الموكل بي أني قد فرغت من حاجته ، فأخبره فخرج ، وعرضت عليه فقال : أحسنت هو كلام موجز جامع ، فارفع حوائجك يا موسى فقلت : يا أمير المؤمنين أول حاجتي إليك أن تأذن لي في الانصراف إلى أهلي ، فاني تركتهم باكين آيسين من أن يروني أبدا فقال : مأذون لك ، ازدد ؟ فقلت : يبقي الله أمير المؤمنين لنا معاشر بني عمه فقال : ازدد ؟ فقلت : علي عيال كثير ، وأعيننا بعد الله ممدودة إلى فضل أمير المؤمنين وعادته ، فأمر لي بمائة ألف درهم ، وكسوة ، وحملني وردني إلى أهلي مكرما .الاختصاص ص 54 وقد روى الحديث الحسن بن شعبة في كتابه تحف العقول ص 426 بتفاوت .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

استحباب إجلال ذي الشيبة المؤمن وتوقيره وإكرامه

استحباب إجلال ذي الشيبة المؤمن وتوقيره وإكرامه 1 -عبدالله بن سنان ، قال : قال لي  أبو عبدالله ( عليه السلام )  : إن من إجلال الله عزّ وجّ...