الجمعة، 13 مارس 2026

قول الإمام علي بن ابي طالب (ع) في وصفه المؤمنين

مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام وخطبه أيضا وحكمه 

1 -  قال أمير المؤمنين عليه السلام ، المؤمنون هم أهل الفضائل هديهم السكوت ، وهيئتهم الخشوع ، وسمتهم التواضع ( 1 ) خاشعين ، غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم ، رافعين أسماعهم إلى العلم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كما نزلت في الرخاء ، لولا الآجال التي كتبت عليهم لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين ، شوقا إلى الثواب وخوفا من العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم ، فهم كأنهم قد رأوا الجنة ونعيمها والنار وعذابها ، فقلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة ، وحوائجهم خفيفة ، وأنفسهم ضعيفة ، ومعونتهم لإخوانهم عظيمة اتخذوا الأرض بساطا ، وماءها طيبا ، ورفضوا الدنيا رفضا ، وصبروا أياما قليلة فصارت عاقبتهم راحة طويلة ، تجارتهم مربحة ، يبشرهم بها رب كريم ، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وطلبتهم فهربوا منها .
 أما الليل فأقدامهم مصطفة ( 2 ) يتلون القرآن يرتلونه ترتيلا ، فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلعت أنفسهم تشوقا ( 3 ) فيصيرونها نصيب أعينهم وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها بقلوبهم وأبصارهم ، فاقشعرت منها جلودهم ووجلت قلوبهم خوفا وفرقا ( 4 ) نحلت لها أبدانهم ، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها وصلصلة حديدها في آذانهم ، مكبين على وجوههم وأكفهم ، تجري دموعهم على خدودهم . يجأرون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم . وأما النهار فعلماء أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف فهم أمثال القداح ( 5 ) إذا نظر إليهم الناظر يقول بهم مرض ، وما بهم مرض ، ويقول قد خولطوا وما خولطوا (6 ) إذا ذكروا عظمة الله وشدة سلطانه وذكروا الموت وأهوال القيامة وجفت قلوبهم وطاشت حلومهم وذهلت عقولهم ( 7 ) فإذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى الله بالاعمال الزاكية ، لا يرضون بالقليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إن زكي أحدهم خاف الله وغايلة التزكية ( 8 ) قال : وأنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي مني ، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني كما يظنون ، واغفر لي مالا يعلمون . ومن علامات أحدهم أن يكون له حزم في لين ، وإيمان في يقين ، وحرص في تقوى ، وفهم في فقه ، وحلم في علم ، وكيس في رفق ، وقصد في غنى ، وخشوع في عبادة وتحمل في فاقة ، وصبر في شدة وإعطاء في حق ، وطلب لحلال ، ونشاط في هدى ، وتحرج عن طمع ، وتنزه عن طبع ، وبر في استقامة ، واعتصام بالله من متابعة الشهوات ، واستعاذة به من الشيطان الرجيم ، يمسي وهمه الشكر ، ويصبح وشغله الفكر ( 9 ) أولئك الآمنون المطمئنون الذين يسقون من كأس لا لغو فيها ولا تأثيم ( 10 ) . مطالب السؤول ص 53 .

( 1 ) الهدى - بالفتح - : الطريقة والسيرة . والسمت : هيئه أهل الخير . 
( 2 ) اصطف القوم : قاموا صفوفا .
( 3 ) التطلع إلى الشئ : الاستشراف له والانتظار لوروده . 
( 4 ) الفرق - بالتحريك - : الخوف . ونحلت أي هزلت وضعفت .
( 5 ) برى السهم نحته . والقداح جمع قدح بالكسر فيهما وهو السهم قبل أن يراش وينصل وهو كناية عن نحافة البدن وضعف الجسد .
( 6 ) خولط فلان في عقله إذا اختل عقله وصار مجنونا . وخالطه إذا مازجه والمعنى كما قاله بعض شراح النهج يظن الناظر بهم الجنون وما بهم من جنة بل مازج قلوبهم أمر عظيم وهو الخوف فتولهوا لاحله .
( 7 ) وجف الشئ اضطرب ، والقلب : خفق . وطاش أي ذهب عقله . والحلوم جمع حلم وهو العقل . والذهول . النسيان والغيبة .
( 8 ) الغائلة الداهية والفساد والمهلكة . وغائلة التزكية عطف على " الله " يعنى خاف الله أولا وغائلة التزكية ثانيا . ( 9 ) في بعض النسخ " يمسى وهمته الشكر ويصبح وشغله الذكر " . 
( 10 ) أثمه من باب التفعيل نسبه إلى الاثم . 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قول الإمام علي بن ابي طالب (ع) في وصفه المؤمنين

مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام وخطبه أيضا وحكمه  1 -  قال  أمير المؤمنين عليه السلام  ، المؤمنون هم أهل الفضائل هديهم السكوت ، وهيئتهم الخ...