مواعظ أمير المؤمنين عليه السلام وخطبه أيضا وحكمه
أما الليل فأقدامهم مصطفة ( 2 ) يتلون القرآن يرتلونه ترتيلا ، فإذا مروا
بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلعت أنفسهم تشوقا ( 3 ) فيصيرونها نصيب أعينهم
وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها بقلوبهم وأبصارهم ، فاقشعرت منها جلودهم
ووجلت قلوبهم خوفا وفرقا ( 4 ) نحلت لها أبدانهم ، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها
وصلصلة حديدها في آذانهم ، مكبين على وجوههم وأكفهم ، تجري دموعهم على
خدودهم . يجأرون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم .
وأما النهار فعلماء أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف فهم أمثال القداح ( 5 ) إذا
نظر إليهم الناظر يقول بهم مرض ، وما بهم مرض ، ويقول قد خولطوا وما خولطوا (6 )
إذا ذكروا عظمة الله وشدة سلطانه وذكروا الموت وأهوال القيامة وجفت قلوبهم
وطاشت حلومهم وذهلت عقولهم ( 7 ) فإذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى الله بالاعمال
الزاكية ، لا يرضون بالقليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متهمون ، ومن
أعمالهم مشفقون ، إن زكي أحدهم خاف الله وغايلة التزكية ( 8 ) قال : وأنا أعلم
بنفسي من غيري وربي أعلم بي مني ، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني
كما يظنون ، واغفر لي مالا يعلمون .
ومن علامات أحدهم أن يكون له حزم في لين ، وإيمان في يقين ، وحرص
في تقوى ، وفهم في فقه ، وحلم في علم ، وكيس في رفق ، وقصد في غنى ، وخشوع في عبادة
وتحمل في فاقة ، وصبر في شدة وإعطاء في حق ، وطلب لحلال ، ونشاط في
هدى ، وتحرج عن طمع ، وتنزه عن طبع ، وبر في استقامة ، واعتصام بالله من
متابعة الشهوات ، واستعاذة به من الشيطان الرجيم ، يمسي وهمه الشكر ، ويصبح
وشغله الفكر ( 9 ) أولئك الآمنون المطمئنون الذين يسقون من كأس لا لغو فيها
ولا تأثيم ( 10 ) . مطالب السؤول ص 53 .
( 1 ) الهدى - بالفتح - : الطريقة والسيرة . والسمت : هيئه أهل الخير .
( 2 ) اصطف القوم : قاموا صفوفا .
( 3 ) التطلع إلى الشئ : الاستشراف له والانتظار لوروده .
( 4 ) الفرق - بالتحريك - : الخوف . ونحلت أي هزلت وضعفت .
( 5 ) برى السهم نحته . والقداح جمع قدح بالكسر فيهما وهو السهم قبل أن يراش
وينصل وهو كناية عن نحافة البدن وضعف الجسد .
( 6 ) خولط فلان في عقله إذا اختل عقله وصار مجنونا . وخالطه إذا مازجه والمعنى
كما قاله بعض شراح النهج يظن الناظر بهم الجنون وما بهم من جنة بل مازج قلوبهم أمر عظيم
وهو الخوف فتولهوا لاحله .
( 7 ) وجف الشئ اضطرب ، والقلب : خفق . وطاش أي ذهب عقله . والحلوم جمع
حلم وهو العقل . والذهول . النسيان والغيبة .
( 8 ) الغائلة الداهية والفساد والمهلكة . وغائلة التزكية عطف على " الله " يعنى خاف
الله أولا وغائلة التزكية ثانيا .
( 9 ) في بعض النسخ " يمسى وهمته الشكر ويصبح وشغله الذكر " .
( 10 ) أثمه من باب التفعيل نسبه إلى الاثم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق