الأحد، 7 يونيو 2026

قصة شقيق البلخي مع الامام الكاظم عليه السلام

 قصة شقيق البلخي مع الامام الكاظم عليه السلام

 قال خشنام بن حاتم الاصم قال : قال لي أبي حاتم : قال لي شقيق البلخي : خرجت حاجا في سنة تسع وأربعين ومائة فنزلت القادسية (1) فبينا أنا أنظر إلى الناس في زينتهم وكثرتهم ، فنظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السمرة ضعيف ، فوق ثيابه ثوب من صوف مشتمل بشملة في رجليه نعلان وقد جلس منفردا ، فقلت في نفسي : هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلا على الناس في طريقهم والله لامضين إليه ولاوبخنه ، فدنوت منه.
فلما رآني مقبلا قال : ياشقيق «اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ » (2) ثم تركني ، ومضى ، فقلت في نفسي إن هذا الامر عظيم قد تكلم بما في نفسي ونطق باسمي ، وما هذا إلا عبد صالح لالحقنه ولاسألنه أن يحللني فأسرعت في أثره فلم ألحقه وغاب من عيني ، فلما نزلنا واقصة (3) وإذا به يصلي وأعضاؤه تضطرب ودموعه تجري ، فقلت : هذا صاحبي أمضي إليه وأستحله.

(1) القادسية : قرية قرب الكوفة ، من جهة البر ، بينها وبين الكوفة خمسة عشر فرسخا ، وبينها وبين العذيب أربعة أميال ، عندها كانت الوقعة العظمى بين المسلمين وفارس وتعرف اليوم بنفس الاسم قرب قضاء أبي ضخير في لواء الديوانية.
(2)  الحجرات 49  :12.
(3) واقصة : بكسر القاف ، والصاد المهملة ، موضعان ، منزل في طريق مكة بعد القرعاء نحو مكة ، وناء لبنى كعب ، وواقصة ايضا بارض اليمامة.

فصبرت حتى جلس ، وأقبلت نحوه فلما رآني مقبلا قال : ياشقيق اتل « وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ » (1) ثم تركني ومضى فقلت : إن هذا الفتى لمن الابدال ، لقد تكلم على سري مرتين ، فلما نزلنا زبالة (2) إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة (3) يريد أن يستقي ماءا فسقطت الركوة من يده في البئر وأنا أنظر إليه ، فرأيته قد رمق السماء وسمعته يقول :
أنت ربي إذا ظمئت إلى الماء  وقوتي إذا أردت الطعاما

اللهم سيدي مالي غيرها فلا تعدمنيها ، قال شقيق : فوالله لقد رأيت البئر وقد ارتفع ماؤها فمد يده وأخذ الركوة وملؤها ماء ، فتوضأ وصلى أربع ركعات ، ثم مال إلى كثيب (4) رمل فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحركه ويشرب ، فأقبلت إليه وسلمت عليه فرد علي عليه‌ السلام فقلت : أطعمني من فضل ما أنعم الله عليك ، فقال : ياشقيق لم تزل نعمة الله علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك ، ثم ناولني الركوة فشربت منها فاذا هو سويق وسكر ، فوالله ماشربت قط ألذ منه ولا أطيب ريحا فشبعت ورويت ، وأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا.
ثم لم أره حتى دخلنا مكة ، فرأيته ليلة إلى جنب قبة الشراب في نصف الليل قائما يصلي بخشوع وأنين وبكآء ، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل ، فلما رأى الفجر جلس في مصلا يسبح ثم قام فصلى الغداة ، وطاف بالبيت اسبوعا وخرج فتبعته وإذا له غاشية وموال وهو على خلاف مارأيته في الطريق ، ودار به الناس من حوله يسلمون عليه ، فقلت لبعض من رأيته يقرب منه : من هذا الفتى؟ فقال : هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم‌ السلام ، فقلت : قد

عجبت أن يكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيد ، ولقد نظم بعض المتقدمين واقعة شقيق معه في أبيات طويلة اقتصرت على ذكر بعضها فقال :
سل شقيق البلخي عنه وما عا       ين منه وما الذي كان أبصر

قال لما حججت عاينت شخصا     شاحب اللون ناحل الجسم أسمر


سائرا وحده وليس له زاد             فمازلت دائما أتفكر


وتوهمت أنه يسأل الناس              ولم أدر أنه الحج الاكبر


ثم عاينته ونحن نزول                 دون فيد على الكثيب الاحمر


يضع الرمل في الاناء ويشربه       فناديته وعقلي محير


اسقني شربة فناولني منه             فعاينته سويقا وسكر


فسألت الحجيج من يك هذا؟         قيل هذا الامام موسى بن جعفر
كشف الغمة ج 3 ص 4.
(1)  طه 20 : 82.
الابدال: قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم، سموا بذلك لانهم كلما مات واحد منهم أبدل الله مكانه آخر. "
(2) زبالة : بضم اوله : موضع معروف بطريق مكة بين واقصة والثعلبية ، بها بركتان
(3) الركوة : مثلثة ، اناء صغير من جلد يشرب فيه الماء جمع ركاء وركوات.
(4) الكثيب : التل من الرمل جمع كثب وكثبان وأكثبة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

معجزة الإمام الكاظم (ع) وأهل نيسابور وشطيطة

  معجزة الإمام  الكاظم (ع) وأهل نيسابور وشطيطة مناقب ابن شهرآشوب : أبو علي بن راشد وغيره في خبر طويل : انه اجتمعت عصابة الشيعة بنيسابور وا...