خُطبَةُ الإِمامِ عليه السلام عِندَ خُروجِهِ مِن مَكَّةَ
1 - تيسير المطالب
عن زيد بن عليّ عن أبيه [زين العابدين] عليه السلام : إنَّ الحُسَينَ بنَ عَلِيٍّ عليه السلام خَطَبَ أصحابَهُ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عَلَيهِ ، ثُمَّ قالَ : أيُّهَا النّاسُ ! خُطَّ المَوتُ عَلى بَني آدَمَ كَخَطِّ القِلادَةِ عَلى جيدِ[1] الفَتاةِ ، ما أولَعَني بِالشَّوقِ إلى أسلافِي اشتِياقَ يَعقوبَ عليه السلام إلى يوسُفَ وأخيهِ ، وإنَّ لي مَصرَعاً أنَا لاقيهِ ، كَأَنّي أنظُرُ إلى أوصالي تُقَطِّعُها وُحوشُ الفَلَواتِ غبراً وعفراً[2] ، قَد مَلَأَت مِنّي أكراشَها ، رِضَى اللَّهِ رِضانا أهلَ البَيتِ ، نَصبِرُ عَلى بَلائِهِ لِيُوَفِّيَنا اُجورَ الصّابِرينَ ، ولَن تَشُذَّ عَن رَسولِ اللَّهِ حُرمَتُهُ وعِترَتُهُ ، ولَن تُفارِقَهُ أعضاؤُهُ ، وهِيَ مَجموعَةٌ في حَظيرَةِ القُدسِ[3] ، تَقَرُّ بِهِم عَينُهُ ، وتُنجَزُ لَهُم عِدَتُهُ ، ألا مَن كانَ فينا باذِلاً مُهجَتَهُ فَليَرحَل ، فَإِنّي راحِلٌ غَداً إن شاءَ اللَّهُ . ثُمَّ نَهَضَ إلى عَدُوِّهِ ، فَاستُشهِدَ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيهِ .تيسير المطالب : ص 199 .
[1] الجِيْدُ : العُنق (النهاية : ج 1 ص 324 «جيد») .
[2] العُفرة : بياض ليس بالناصع ، ولكن كلون عَفَر الأرض ؛ وهو وجهها (النهاية : ج 3 ص 261 «عفر») .
[3] حَظِيرَة القُدْس : الجنّة (مجمع البحرين : ج 1 ص 424 «حظر») .
2 - الملهوف :
رُوِيَ أنَّهُ [أيِ الحُسَينَ عليه السلام] لَمّا عَزَمَ عَلَى الخُروجِ إلَى العِراقِ قامَ خَطيباً ، فَقالَ : الحَمدُ للَّهِِ ، ما شاءَ اللَّهُ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلى رَسولِهِ وسَلَّمَ ، خُطَّ المَوتُ عَلى وُلدِ آدَمَ مَخَطَّ القِلادَةِ عَلى جيدِ الفَتاةِ ، وما أولَهَني[1] إلى[2] أسلافِي اشتِياقَ يَعقوبَ إلى يوسُفَ ، وخيرَ لي مَصرَعٌ أنَا لاقيهِ ، كَأَنّي بِأَوصالي تُقَطِّعُها ذِئابُ الفَلَواتِ بَينَ النَّواويسِ[3] وكَربَلاءَ ، فَيَملَأنَ مِنّي : أكراشاً جوفاً وأجرِبَةً سُغباً[4] ، لا مَحيصَ عَن يَومٍ خُطَّ بِالقَلَمِ ، رِضَى اللَّهِ رِضانا أهلَ البَيتِ ، نَصبِرُ عَلى بَلائِهِ ويُوَفّينا اُجورَ الصّابِرينَ ، لَن تَشُذَّ عَن رَسولِ اللَّهِ صلى اللَّه عليه وآله لُحمَتُهُ[5] ، بَل هِيَ مَجموعَةٌ لَهُ في حَظيرَةِ القُدسِ ، تَقَرُّ بِهِم عَينُهُ ، ويُنجَزُ بِهِم وَعدُهُ . مَن كانَ باذِلاً فينا مُهجَتَهُ ، ومُوَطِّناً عَلى لِقاءِ اللَّهِ نَفسَهُ ، فَليَرحَل مَعَنا ؛ فَإِنّي راحِلٌ مُصبِحاً إن شاءَ اللَّهُ .الملهوف : ص 126.
[1] الوله : الحزن أو ذهاب العقل حزناً (القاموس المحيط : ج 4 ص 295 «وله») .
[2] في المصدر : «إلى اشتياق أسلافي» ، والصواب ما أثبتناه كما في المصادر الاُخرى .
[3] الناووس : مقابر النصارى (لسان العرب : ج 6 ص 245 «نوس») . كانت مقبرة عامّة للنصارى قبل الفتح الإسلامي ، وتقع في أراضي ناحية الحسينيّة قرب نينوى (تراث كربلاء : ص 19) .
[4] سَغِبَ يسغبُ سَغَباً : أي جاعَ (الصحاح : ج 1 ص 147 «سغب») .
[5] اللُّحمَةُ - بالضمّ - : القرابة (لسان العرب : ج 12 ص 538 «لحم») .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق