السبت، 15 أغسطس 2026

أسرار هجرة النبي صلى الله عليه واله

أسرار هجرة النبي صلى الله عليه واله 

ومن أسرار هذه المهاجرة أن مولانا عليا عليه‌السلام بات على فراش المخاطرة وجاد بمهجته لمالك الدنيا والآخرة ولرسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله فاتح أبواب النعم الباطنة و الظاهرة ، ولولا ذلك المبيت واعتقاد الاعداء أن النائم على الفراش هو سيد الانبياء صلى‌الله‌عليه‌وآله لما كانوا صبروا عن طلبه إلى النهار حتى وصل إلى الغار ، فكانت سلامة صاحب الرسالة من قبل أهل الضلالة صادرة عن تدبير الله جل جلاله بمبيت مولانا علي عليه‌السلام في مكانه ، وآية باهرة لمولانا علي عليه‌السلام شاهدة بتعظيم شأنه ، و أنزل الله جل جلاله في مقدس قرآنه : « وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ  » فأخبر أن لمولانا علي عليه‌السلام كانت بيعا لنفسه الشريفة ، (١) وطلبا لرضاء الله جل جلاله دون كل مراد ، وقد ذكرنا في الطرائف من روى هذا الحديث من المخالف ، ومباهات الله جل جلاله تلك الليلة بجبرئيل وميكائيل في بيع مولانا علي عليه‌السلام بمهجته ، وأنه سمح(۲) بما لم يمسح به خواص ملائكته.

(١) في المصدر : فأخبر أن سريرة مولانا على عليه‌السلام كانت بيعا لنفسه الشريفة.
(۲) أى جاد.

ومنها : أن الله جل جلاله زاد مولانا عليا عليه‌السلام من القوة الالهية والقدرة الربانية إلى أنه ما قنع له أن يفدي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه الشريفة ، حتى أمره أن يكون مقيما بعده في مكة مهاجرا للاعداء قد هربه منهم وستره بالمبيت على الفراش ، وغطاه عنهم ، وهذا ما لا يحتمله قوة البشر إلا بآيات باهرة من واهب النفع ودافع الضرر.

ومنها : أن الله جل جلاله لم يقنع لمولانا علي عليه‌السلام بهذه الغاية الجليلة حتى زاده من المناقب الجميلة ، وجعله أهلا أن يقيم ثلاثة أيام بمكة لحفظ عيال سيدنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأن يسير بهم ظاهرا على رغم الاعداء وهو وحيد من رجاله ، ومن يساعده على ما بلغ من المخاطرة إليه.

ومنها : أن هذا الاستسلام من مولانا علي عليه‌السلام للقتل وفديه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أظهر مقاما وأعظم تماما من استسلام جده الذبيح إسماعيل لابراهيم الخليل عليه وعليهما السلام ، لان ذلك استسلام لوالد شفيق يجوز معه أن يرحمه الله جل جلاله ويقيله من ذبح ولده كما جرى الحال عليه من التوفيق ، ومولانا علي عليه‌السلام استسلم للاعداء الذين لا يرحمون ولا يرجون لمسامحة في البلاء.

ومنها : أن إسماعيل كان يجوز أن الله جل جلاله يكرم إياه ( أباه) بأنه لا يجد للذبح ألما ، فإن الله تعالى قادر أن يجعله سهلا رحمة لابيه وتكرما ، ومولانا علي عليه‌السلام استسلم للذين طبعهم القتل في الحال على الاستقصاء وترك الابقاء و التعذيب إذا ظفروا بما قدروا من الابتلاء.

ومنها : أن ذبح إسماعيل بيد أبيه الخليل عليهما‌السلام ما كان فيه شماتة ومغالبة ومقاهرة من أهل العداوات ، وإنما هو شئ من الطاعات المقتضية للسعادات و العنايات ، ومولانا علي عليه‌السلام كان قد خاطر بنفسه لشماتة الاعداء والفتك به بأبلغ غايات الاشتقاء والاعتداء والتمثيل بمهجته الشريفة والتعذيب له بكل إرادة من الكفار سخيفة.

ومنها : أن العادة قاضية وحاكمة أن زعيم العسكر إذا اختفى واندفع عن مقام الاخطار وانكسر علم القوة والاقتدار فانه لا يكلف رعية المعلقون عليه(المتعلقون عليه) أن يقفوا موقفا قد فارقه زعيمهم ، وكان معذورا في ترك الصبر عليه ، ومولانا علي عليه‌السلام كلف الصبر والثبات على مقامات قد اختفى فيها زعيمه الذي يعول عليه وانكسر علم القوة الذي تنظر عيون الجيش إليه ، فوقف مولانا علي عليه‌السلام وزعيمه غير حاضر فهو موقف قاهر ، فهذا فضل من الله جل جلاله لمولانا علي عليه‌السلام باهر بمعجزات تخرق عقول ذوي الالباب ، ويكشف لك أنه القائم مقامه في الاسباب.

ومنها : أن فدية مولانا علي عليه‌السلام لسيدنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كانت من أسباب
التمكين من مهاجرته ومن كل ما جرى من السعادات والعنايات بنبوته ، فيكون مولانا علي عليه‌السلام قد صار من أسباب التمكين من كل ما جرت حال الرسالة عليه ومشاركا في كل خير فعله النبي صلوات الله عليه ، وبلغ حاله إليه ، وقد اقتصرت في ذكر أسرار المهاجرة الشريفة النبوية على هذه المقامات الدينية ، ولو أردت بالله جل جلاله أوردت مجلدا منفردا في هذه الحال ، ولكن هذا كاف شاف للمنصفين وأهل الاقبال.
الاقبال : 592 ـ 596.
بحار الانوار : ج 19 ص 95-98

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تحريم تعيير المؤمن وتأنيبه1

  تحريم تعيير المؤمن وتأنيبه  1 ـ الحسين بن سعيد الأهوازي في كتاب المؤمن : عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : « قال النبيّ ( صلّى ال...