عن الحكم بن عتيبة قال: بينما أنا مع أبي جعفر (عليه السلام) والبيت غاص بأهله إذ أقبل شيخ يتوكؤ على عنزة له(1) حتى وقف على باب البيت فقال: السلام عليك با ابن رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم سكت فقال أبوجعفر (عليه السلام): وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ثم أقبل الشيخ بوجهه على أهل البيت وقال:
(1) العنزة عصا في رأسها حديد. وهي بالتحريك اطول من العصا واقصر من الرمح.
السلام عليكم، ثم سكت حتى أجابه القوم جميعا وردوا عليه السلام ثم أقبل بوجهه على أبي جعفر (عليه السلام) ثم قال: يا ابن رسول الله أدنني منك جعلني الله فداك فوالله إني لاحبكم وأحب من يحبكم ووالله ما أحبكم وأحب من يحبكم لطمع في دنيا (والله)
إني لابغض عدوكم وأبرأ منه، ووالله ما أبغضه وأبرأ منه لو تر(2) كان بيني وبينه، والله إني لاحل حلالكم وأحرم حرامكم وأنتظر أمركم فهل ترجو(3) لي جعلني الله فداك؟ فقال أبوجعفر (عليه السلام): إلي إلي حتى أقعده إلى جنبه
(2) الوتر: الجنايه التي يجنيها الواحد على الاخر
(3)أي ترجو لي المغفرة من الله والنجاة يوم القيامة
ثم قال: أيها الشيخ إن أبي علي بن الحسين (عليه السلام) أتاه رجل فسأله عن مثل الذي سألتني عنه فقال له أبي (عليه السلام):
إن تًمُتْ ترد على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى علي والحسن و الحسين وعلي بن الحسين ويثلج قلبك ويبرد فؤادك وتقر عينك وتستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين، ولو قد بلغت نفسك ههنا - وأهوى بيده إلى حلقه -، وإن تعش ترى ما يقر الله به عينك وتكون معنا في السنام الاعلى (1) ، [ف] قال الشيخ: كيف قلت:
(1) السنام الاعلى:السنام لاشرف مرتبة من المراتب الانسانيه،وارفع درجه من درجات الكرامة الربانيه ثم وصفها بالاعلى ترشيحا لها وتصريحا بعلوها ،المزندراني 417/11
يا أبا جعفر؟ (عليه السلام ) فأعاد عليه الكلام فقال الشيخ: الله أكبر يا أبا جعفر(عليه السلام ) إن أنا مت أرد على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين (عليهم السلام) وتقر عيني ويثلج قلبي ويبرد فؤادي وأستقبل بالروح والريحان مع الكرام الكاتبين،
لو قد بلغت نفسي إلى ههنا ،وإن أعش أرى ما يقر الله به عيني فأكون معكم في السنام الاعلى؟ ! ثم أقبل الشيخ ينتحب، ينشج(1) هاهاها حتى لصق بالارض ،وأقبل أهل البيت ينتحبون وينشجون لما يرون من حال الشيخ وأقبل أبوجعفر (عليه السلام)
(1) النحب والنحيب والانتحاب: البكاء بصوت طويل. والنشج: صوت معه توجع وبكاء كما يردد الصبي بكاءه في صدره. (النهاية).
يمسح بإصبعه الدموع من حماليق(2)عينيه وينفضها، ثم رفع الشيخ رأسه فقال لابي جعفر (عليه السلام): يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله)،ناولني يدك جعلني الله فداك ،فناوله يده فقبلها ووضعها على عيينه وخده، ثم حسر عن بطنه وصدره فوضع يده على بطنه وصدره،
حماليق(2):حملاق العين بالكسر والضم وكعصور: باطن اجفانها الذي يسود بالكحلة او ما غطته الاجفان من بياض المقلة او باطن الجفن الاحمر الذي إذا قلب للكحل رايت حمرته او ما لزق بالعين من موضع الكحل من باطن جمع حماليق؛ (القاموس).
ثم قام فقال: السلام عليكم وأقبل أبوجعفر (عليه السلام) ينظر في قفاه وهو مدبر ثم أقبل بوجهه على القوم فقال: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا.
فقال: الحكم بن عتيبة لم أر ماتما قط يشبه ذلك المجلس.
روضة الكافي : ج 8 ص67
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق