شهادة الإمام جعفر الصادق عليه السلام
وفي كتاب الدلائل للحميري (ره) عن زرارة بن مسلم (ره) مولى خالد بن عبد الله القسري، قال: إن المنصور قال لحاجبه: إذا دخل علي جعفر بن محمد (عليه السلام) فاقتله قبل أن يصل إلي، فدخل أبو عبد الله (عليه السلام) وجلس، فأرسل إلى الحاجب فنظر إليه فوجده قاعدا. قال: ثم قال: عد مكانك. قال: فأقبل يضرب يدا على يد فلما قام أبو عبد الله (عليه السلام) وخرج دعا حاجبه وقال: بأي شئ أمرتك ؟ فقال: والله ما رأيته حين دخل ولا حين خرج إلا عندك وهو قاعد.وعن عبد الله بن أبي ليلى قال: كنت بالربذة مع المنصور وقد كان وجه إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فأتي به وبعث إلي المنصور فدعاني، فلما انتهيت إلى الباب قال: عجلوا به إلي قتلني الله إن لم أقتله، سقا الله الارض من دمي إن لم أسق الارض من دمه، فسألت الحاجب من يعني قال: يعني جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، فإذا قد أتي به ومعه عدة جلاوزة، فلما انتهى إلى الباب قبل أن يرفع الستر رأيته (عليه السلام) قد حرك شفتيه عند رفع الستر، فلما بصربه المنصور قال: مرحبا يابن رسول الله، مرحبا بك يا بن العم، فما زال يرفعه حتى أجلسه على وسادته ودعا بالطعام فرفعت رأسي وأقبلت أنظر إليه فقال:
يا داوود اقض حوائجه وأمره بالانصراف، فلما خرج قال: قد عرفت موالاتي لك وما قد بليت به في دخولي عليهم، وسمعت كلام الرجل وما كان يقول، فلما صرت إلى الباب رأيتك قد تململت شفتاك وما أشك إلا أنه شئ قلته فعلمنيه أقوله إذا أنا دخلت عليه قال: نعم قال: ما شاء الله لا يأتي الخير إلا من عند الله، ما شاء الله لا يصرف السوء إلا هو، ما شاء الله كل نعمة من الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله.
وفي كتاب مشارق الانوار روي أن المنصور لما أراد قتل الصادق (عليه السلام) دعا قوما من الاعاجم لا يعرفون الاسلام ولا يفهمون ولا يعقلون، فخلع عليهم الديباج والوشى وحمل إليهم الاموال ثم استدعاهم وكانوا مائة رجل، فقال للترجمان: قل لهم: إن للملك عدوا يدخل عليه الليلة فاقتلوه إذا دخل عليه، قال: فأخذوا أسلحتهم ممتثلين لامره فاستدعى جعفرا (عليه السلام) وأمره أن يدخل عليه وحده، ثم قال للترجمان: قل لهم هذا عدوي فقطعوه، فلما دخل (عليه السلام) ونظروا إليه تعاووا كعوي الكلاب ورموا أسلحتهم وكتفوا أيديهم إلى ظهورهم وخروا له سجدا ومرغوا وجوههم على التراب، فلما رأى المنصور ذلك خاف على نفسه وقال: ما جاء بك ؟ قال (عليه السلام) أرسلت إلي فأجبتك وما جئتك إلا مغتسلا متحنطا فقال المنصور: معاذ الله أن يكون ما تزعم ارجع راشدا، فرجع جعفر (عليه السلام) والقوم على وجوههم سجدا فقال المنصور للترجمان:
قل لهم لم لا قتلتم عدو الملك فقالوا: نقتل ولينا والذي يلقانا كل يوم ويدبر أمورنا كما يدبر الرجل ولده ولا نعرف لنا وليا سواه، فخاف المنصور من قولهم وسرحهم تحت الليل ثم قتله بعد ذلك بالسم.
وفي رواية عن عبد الله بن الفضل بن الربيع عن أبيه قال، حج المنصور سنة سبع وأربعين ومائة فقدم المدينة وقال للربيع: ابعث إلي جعفر بن محمد (عليه السلام) واتنا به متعبا قتلني الله إن لم أقتله، فتغافل الربيع عنه لينساه فأعاد ذكره الربيع وقال: ابعث من يأتيني به قتلني الله إن لم أقتله، فتغافل الربيع عنه فأرسل إلى الربيع رسالة قبيحة أغلظ فيها عليه بما لا دافع له إلا الله تعالى من القتل، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله ثم أن الربيع أحضر جعفرا (عليه السلام) فلما دخل جعفر (عليه السلام) أوعده وتهدده بالقتل وقال: أي عدو الله اتخذك أهل العراق إماما يبعثون إليك زكاة أموالهم وتلحد في سلطاني وتبتغي لي الغوائل، فوالله لاقتلنك ولا مانع لي من ذلك، فقال (عليه السلام): يا أمير المؤمنين إن سليمان (عليه السلام) أعطي فشكر، وإن أيوب (عليه السلام) ابتلي فصبر، وإن يوسف (عليه السلام) ظلم فغفر، وأنت من ذلك السنخ، فلما سمع المنصور ذلك قال: وأنت يا أبا عبد الله عندي أبر للسماحة وأسلم للنجاحة القابل للغاية، جزاك الله من ذي رحم أفضل ما جزى ذوي الارحام عن أرحامهم، ثم تناوله بيده فأجلسه على فراشه ثم أمر بطيب فطيب به لحية جعفر (عليه السلام) وقال له: قم في حفظ الله تعالى وكفايته، فخرج (عليه السلام) فقال المنصور للربيع: الحق جعفر (عليه السلام) بالكسوة والجائزة، فلحقه بهما وقال له: يا جعفر ما قلت حين دخلت وما قلت حين خرجت. قال (عليه السلام) قلت: أللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، ففعل الله تعالى بي ما رأيت وهكذا دأبه صلوات الله عليه مع المنصور في جميع الاوقات والشهور لا زال يغتنم فيه الفرص ويوقعه في المحذور والغصص، وقد طلبه مرارا وعزم على قتله سرا وجهارا، وحيث لم يحتم المقدور صرف الله تعالى عنه ذلك البلاء والشرور فلما أحب الله تعالى شهادته وحضر وقته وأحب لقائه أغار عليه المنصور، فدس إليه سما نقيعا في عنب ورمان فأكله سلام الله عليه فجعل يجود بنفسه وقد اخضر لونه وصار يتقيأ كبده قطعا قطعا حتى قضى نحبه ولقي ربه شهيدا مظلوما، فلما مات (عليه السلام) تزعزعت المدينة بسكانها، وخرجت المخدرات من خدورها وأوطانها ناشرات للشعور هاتكات للستور شاقات للجيوب خامشات للوجوه لاطمات للخدود خادشات للنواصي والعيون، كل تنادي: وا إماماه، وا جعفراه، وا سيداه، وخرج المساكين والايتام ينادون:
وا ضيعتاه وا محنتاه وا قلة ناصراه. وبكاه ابنه موسى الكاظم (عليه السلام) قائلا يا أبتاه من [ لنا ] بعدك وا طول حزناه وا حسرتاه من بعدك يا أبتاه وا انقطاع ظهراه، وقد نص على ابنه موسى بن جعفرعليه السلام وأسر إليه تلك الوصاية وأظهرها وأشهد عليها جملة من الاوصياء والاعداء، وقد مر ذكرها سابقا فقام موسى (عليه السلام) في جهاز أبيه (عليه السلام) فغسله وحنطه كما أمره وكفنه وعيناه تهملان دموعا وحمل جنازته (عليه السلام) إلى البقيع ودفنه جوار أبيه وعمه (عليه السلام).
وفيات الأئمة المؤلف : من علماء البحرين والقطيف الجزء : 1 صفحة :240 - 242.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق