السبت، 11 يوليو 2026

خطبة الامام زين العابدين امام يزيد و اهل الشام

خُطبَةُ عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ عليه السلام في مَسجِدِ دِمَشقَ‌

مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي :
 رُوِيَ أنَّ يَزيدَ أمَرَ بِمِنبَرٍ وخَطيبٍ ، لِيَذكُرَ لِلنّاسِ مَساوِئَ لِلحُسَينِ وأبيهِ عَلِيٍّ عليهما السلام ، فَصَعِدَ الخَطيبُ المِنبَرَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى‌ عَلَيهِ ، وأكثَرَ الوَقيعَةَ في عَلِيٍّ وَالحُسَينِ ، وأطنَبَ في تَقريظِ[1] مُعاوِيَةَ ويَزيدَ . فَصاحَ بِهِ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ عليه السلام : وَيلَكَ أيُّهَا الخاطِبُ ! اشتَرَيتَ رِضَا المَخلوقِ بِسَخَطِ الخالِقِ ؟ فَتَبَوَّأ مَقعَدَكَ مِنَ النّارِ . ثُمَّ قالَ :
 يا يَزيدُ ائذَن لي حَتّى‌ أصعَدَ هذِهِ الأَعوادَ ، فَأَتَكَلَّمَ بِكَلِماتٍ فيهِنَّ للَّهِ‌ِ رِضاً ، ولِهؤُلاءِ الجالِسينَ أجرٌ وثَوابٌ . فَأَبى‌ يَزيدُ . فَقالَ النّاسُ : يا أميرَ المُؤمِنينَ ، ائذَن لَهُ لِيَصعَدَ ، فَلَعَلَّنا نَسمَعُ مِنهُ شَيئاً ، فَقالَ لَهُم : إن صَعِدَ المِنبَرَ هذا لَم يَنزِل إلّا بِفَضيحَتي وفَضيحَةِ آلِ أبي سُفيانَ ، فَقالوا : وما قَدرُ ما يُحسِنُ هذا ؟ فَقالَ : إنَّهُ مِن أهلِ بَيتٍ قَد زُقُّوا العِلمَ زَقّاً . ولَم يَزالوا بِهِ حَتّى‌ أذِنَ لَهُ بِالصُّعودِ . فَصَعِدَ المِنبَرَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثنى‌ عَلَيهِ ، ثُمَّ خَطَبَ خُطبَةً أبكى‌ مِنهَا العُيونَ ؛ وأوجَلَ مِنهَا القُلوبَ ، فَقالَ فيها :

أيُّهَا النّاسُ ، اُعطينا سِتّاً ، وفُضِّلنا بِسَبعٍ : اُعطينَا العِلمَ ، وَالحِلمَ ، وَالسَّماحَةَ ، وَالفَصاحَةَ ، وَالشَّجاعَةَ ، وَالمَحَبَّةَ في قُلوبِ المُؤمِنينَ . وفُضِّلنا بِأَنَّ مِنَّا النَّبِيَّ المُختارَ مُحَمَّداً صلى اللَّه عليه وآله ، ومِنَّا الصِّدّيقُ ، ومِنَّا الطَّيّارُ ، ومِنَّا أسَدُ اللَّهِ وأسَدُ الرَّسولِ ، ومِنّا سَيِّدَةُ نِساءِ العالَمينَ فاطِمَةُ البَتولُ ، ومِنّا سِبطا هذِهِ الاُمَّةِ ، وسَيِّدا شَبابِ أهلِ الجَنَّةِ ؛ فَمَن عَرَفَني فَقَد عَرَفَني ، ومَن لَم يَعرِفني أنبَأتُهُ بِحَسَبي ونَسَبي ، أنَا ابنُ مَكَّةَ ومِنىً، أنَا ابنُ زَمزَمَ وَالصَّفا ، أنَا ابنُ مَن حَمَلَ الزَّكاةَ بِأَطرافِ الرِّدا ، أنَا ابنُ خَيرِ مَنِ ائتَزَرَ وَارتَدى‌ ، أنَا ابنُ خَيرِ مَنِ انتَعَلَ وَاحتَفى‌ ، أنَا ابنُ خَيرِ مَن طافَ وَسعى‌ ، أنَا ابنُ خَيرِ مَن حَجَّ ولَبّى‌ ، أنَا ابنُ مَن حُمِلَ عَلَى البُراقِ‌[2] فِي الهَوا ، أنَا ابنُ مَن اُسرِيَ بِهِ مِنَ المَسجِدِ الحَرامِ إلَى المَسجِدِ الأَقصى‌ ، فَسُبحانَ مَن أسرى‌ ، أنَا ابنُ مَن بَلَغَ بِهِ جَبرائيلُ إلى‌ سِدرَةِ المُنتَهى‌ ، أنَا ابنُ مَن دَنى‌ فَتَدَلّى‌ فَكانَ مِن رَبِّهِ قابَ قَوسَينِ أو أدنى‌ ، أنَا ابنُ مَن صَلّى‌ بِمَلائِكَةِ السَّما ، أنَا ابنُ مَن أوحى‌ لَهُ الجَليلُ ما أوحى‌ ، أنَا ابنُ مُحَمَّدٍ المُصطَفى‌ ، أنَا ابنُ عَلِيٍّ المُرتَضى‌ ، أنَا ابنُ مَن ضَرَبَ خَراطيمَ الخَلقِ حَتّى‌ قالوا : لا إلهَ إلَّا اللَّهُ . أنَا ابنُ مَن ضَرَبَ بَينَ يَدَي رَسولِ اللَّهِ بِسَيفَينِ ، وطَعَنَ بِرُمحَينِ ، وهاجَرَ الهِجرَتَينِ ، وبايَعَ البَيعَتَينِ ، وصَلَّى القِبلَتَينِ ، وقاتَلَ بِبَدرٍ وحُنَينٍ ، ولَم يَكفُر بِاللَّهِ طَرفَةَ عَينٍ ، أَنا ابنُ صالِحِ المُؤمِنينَ ، ووارِثِ النَّبِيّينَ ، وقامِعِ المُلحِدينَ ، ويَعسوبِ المُسلِمينَ ، ونورِ المُجاهِدينَ ، وزَينِ العابِدينَ ، وتاجِ البَكّائينَ ، وأصبَرِ الصّابِرينَ ، وأفضَلِ القائِمينَ مِن آلِ ياسينَ ، ورَسولِ رَبِّ العالَمينَ .

أنَا ابنُ المُؤَيَّدِ بِجَبرائيلَ ، المَنصورِ بِميكائيلَ ، أنَا ابنُ المُحامي عَن حَرَمِ المُسلِمينَ ، وقاتِلِ النّاكِثينَ وَالقاسِطينَ وَالمارِقينَ ، وَالمُجاهِدِ أعداءَهُ النّاصِبينَ ، وأفخَرِ مَن مَشى‌ مِن قُرَيشٍ أجمَعينَ ، وأَوّلِ مَن أجابَ وَاستَجابَ للَّهِ‌ِ مِنَ المُؤمِنينَ ، وأقدَمِ السّابِقينَ ، وقاصِمِ المُعتَدينَ ، ومُبيرِ[3] المُشرِكينَ ، وسَهمٍ مِن مَرامِي اللَّهِ عَلَى المُنافِقينَ ، ولِسانِ حِكمَةِ العابِدينَ ، ناصِرِ دينِ اللَّهِ ، ووَلِيِّ أمرِ اللَّهِ ، وبُستانِ حِكمَةِ اللَّهِ ، وعَيبَةِ[4] عِلمِ اللَّهِ ، سَمِحٌ سَخِيٌّ ، بُهلولٌ‌[5] زَكِيٌّ أبطَحِيٌّ رَضِيٌّ مَرضِيٌّ ، مِقدامٌ هُمامٌ ، لاصابِرٌ صَوّامٌ ، مُهَذَّبٌ قَوّامٌ ، شُجاعٌ قَمقامٌ‌[6] ، قاطِعُ الأَصلابِ ، ومُفَرِّقُ الأَحزابِ ، أربَطُهُم جَناناً ، وأطبَقُهُم عِناناً ، وأجرَأَهُم لِساناً ، وأمضاهُم عَزيمَةً ، وأشَدُّهُم شَكيمَةً ، أسَدٌ باسِلٌ ، وغَيثٌ هاطِلٌ ، يَطحَنُهُم فِي الحُروبِ - إذَا ازدَلَفَتِ الأَسِنَّةُ ، وقَرُبَتِ الأَعِنَّةُ - طَحنَ الرَّحى‌ ، ويَذرُوهُم ذَروَ الرّيحِ الهَشيمِ ، لَيثُ الحِجازِ ، وصاحِبُ الإِعجاز ، وكَبشُ العِراقِ ، الإِمامُ بِالنَّصِّ وَالاستِحقاقِ ، مَكِّيٌّ مَدَنِيٌّ ، أبطَحِيُّ تِهامِيٌّ ، خَيفِيٌّ عَقَبِيٌّ ، بَدرِيٌّ اُحُدِيٌّ ، شَجَرِيٌّ مُهاجِرِيٌّ ، مِنَ العَرَبِ سَيِّدُها ، ومِنَ الوَغى‌ لَيثُها ، وارِثُ المَشعَرَينِ ، وأبُو السِّبطَينِ الحَسَنِ وَالحُسَينِ ، مَظهَرُ العَجائِبِ ، ومُفَرِّقُ الكَتائِبِ وَالشِّهابُ الثّاقِبُ ، وَالنّورُ العاقِبُ ، أسَدُ اللَّهِ الغالِبُ ، مَطلوبُ كُلِّ طالِبٍ ، غالِبُ كُلِّ غالِبٍ ؛ ذاكَ جَدّي عَلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ . أنَا ابنُ فاطِمَةَ الزَّهراءِ ، أنَا ابنُ سَيِّدَةِ النِّساءِ ، أنَا ابنُ الطُّهرِ البَتولِ ، أنَا ابنُ بضَعَةِ الرَّسولِ . قالَ : ولَم يَزَل يَقولُ : أنَا أنَا ، حَتّى‌ ضَجَّ النّاسُ بِالبُكاءِ وَالنَّحيبِ ، وخَشِيَ يَزيدُ أن تَكونَ فِتنَةٌ ، فَأَمَرَ المُؤَذِّنَ أن يُؤَذِّنَ ، فَقَطعَ عَلَيهِ الكَلامَ وسَكَتَ . فَلَمّا قالَ المُؤَذِّنُ : «اللَّهُ أكبَرُ» قالَ عَلِيُّ بنُ الحُسَينِ عليه السلام :
 كَبَّرتَ كَبيراً لايُقاسُ ، ولا يُدرَكُ بِالحَواسِّ ، لا شَي‌ءَ أكبَرُ مِنَ اللَّهِ . فَلَمّا قالَ : «أشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ» قالَ عَلِيٌّ عليه السلام : شَهِدَ بِها شَعري وبَشَري ، ولَحمي ودَمي ، ومُخّي وعَظمي .

فَلَمّا قالَ : «أشهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسولُ اللَّهِ» التَفَتَ عَلِيٌّ عليه السلام مِن أعلَى المِنبَرِ إلى‌ يَزيدَ ، وقالَ : يا يَزيدُ! مُحَمَّدٌ هذا جَدّي أم جَدُّكَ ؟ فَإِن زَعَمتَ أنَّهُ جَدُّكَ فَقَد كَذَبتَ ، وإن قُلتَ إنَّهُ جَدّي فَلِمَ قَتَلتَ عِترَتَهُ ؟! قالَ : وفَرَغَ المُؤَذِّنُ مِنَ الأَذانِ وَالإِقامَةِ ، فَتَقَدَّمَ يَزيدُ وصَلّى‌ صَلاةَ الظُّهرِ . مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي : ج 2 ص 69 .

[1] التقريظ : المدح (النهاية : ج 4 ص 42 «قرظ») .
[2] البُراق : هي الدابّة الّتي ركبها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله ليلَةَ الإسراء ، سُمّي بذلك لنصوعِ لَونه وشِدّة بريقه . وقيل : لسرعة حَركته شبَّهَهُ فيهما بالبَرق (النهاية : ج 1 ص 120 «برق») .
[3] مُبِيرُ : مُهلِك (النهاية : ج 1 ص 161 «بور») .
[4] عَيبَتي : أي خاصّتي وموضع سرّي (النهاية : ج 3 ص 327 «عيب») .
[5] البُهلُولُ : السيّد الجامع لكلّ خير (القاموس المحيط : ج 3 ص 339 «بهل») .
[6] القَمقَامُ : السيّد لكثرة خيره (الصحاح : ج 5 ص 2015 «قمم») .
 في بعض النسخ : «أنا ابن زمزم والصفا» (هامش المصدر) .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نص الله تبارك وتعالى على القائم عليه‌ السلام وأنه الثاني عشر من الائمّة عليهم‌ السلام

  نص الله تبارك وتعالى على القائم عليه‌ السلام وأنه الثاني عشر من الائمّة عليهم‌ السلام عن  عليّ ابن موسى الرضا عليه‌ السلام  ، عن  أبيه موس...